عواطفُ قد ضاق الفسيحُ بها صدرا
فنظَّمها في السلك شاعرُها شعرا
ولحّن آلام الكئيب مغرّدٌ
فنبَّه بالألحان عاطفةً سكرى
وراح من الآلام يبعث زفرةً
تلظَّى وأنفاسًا رماها لنا حَرّى
وأرسلها من فيه عِقدًا منضَّدًا
كما صاغها من فيْض فكرته دُرّا
شكا الشاعرُ السّلَّ الذي اجتاح جسمه
وطار به للشيب يستبق الدهرا
وودَّ بأن الموت يسرع نحوه
ولكنه يأبى الدنوَّ له حذْرا
شكا مستغيثًا من زمانٍ رمى به
إلى غمرة الأسقام فاستوقف الفِكْرا
وردَّدَها شكوى تعاظم وَقْدها
بِطيِّ الحشا إذ راح يقذفُها جمرا
ودوّى بأرجاء البسيطة من أسًى
نداءٌ تعالى ليت في مسمعي وَقْرا
فأجَّج نيرانًا بشكواه يصطلي
بها القلب وانهلَّتْ لها أدمعٌ حَمْرا
لئن كان داءُ «السُّلِّ» سلطانَ قوّةٍ
غزاكم فرحتم منه في سجنه أسرى
وبزَّكمُ الآمالَ في ميْعة الصِّبا
يسومكمُ ضعفًا ويوسعكم قسرا
ويذوي من الروض البهيج نديّه
وراحت عليكم منه آلامُه تترى
وباتت أمانيكم لديه صريعةً
وصرتم بحالٍ لم تُطيقوا لها صبرا
فهذي سلاطينُ النوائب جمَّةٌ
تهاجمُنا لا نستطيع لها قَهْرا
أطلّت على الدنيا فمدَّت رُواقها
وها كلُّ مَنْ تلقاه يشكو لك الدهرا
فما الدهر والأيام إلا مصائبٌ
تعضُّ على الأحرار في سيْرها جهرا
تراها إذا ما امتدَّ طرْفكَ حلَّقتْ
عُقابًا فتلوي الجيدَ منقضَّة صقرا
على الروضة الغنّا فتنهبُ ما بها
وقد تخذَتْ غضَّ الغصون لها وكرا
رويدكَ ما الإنسان إلا بعزمه
ينال به المجدَ المؤثَّل والفخرا
فإن هو أولاه الذميمَ رمى به
سحيقًا وإلا كان مقعدُه الشِّعْرى
وما هي إلا النفس إن أنت رُضتَها
تجدْها على الآفاق عبّاقةً نشرا
وإن هي طارت بالكمال إلى الذُّرى
فما ضرَّها الجسمُ الذي يجرع الصبرا