ألا يا ربى الجزيرة الغر أنشدي
ففيك ارتقى مجد النبوات مؤبدا
ومن تربك المعطاء فاضت رسائلٌ
تفيض على وجه الخليقة موردا
بك الوحي أضحى كالشهاب مؤيدًا
يشق دجى الدنيا فيغشيه مقصدا
إذا أظلمت آفاقها قام نورُهُ
كصبحٍ تجلّى فاستبان لمن هدى
فكم نبيٍّ في ثراك مبلّغٌ
أقام من التوحيد صرحًا مشيّدا
يُزلزل أركان الضلالة دعوةً
ويغرس في قلب الزمان توحّدا
فهذا هود في عرائك منذرٌ
أقام على عاد لسانًا مفندا
فأعرض جبّارٌ وعاند قومه
فجاءتهم الريح العقيم مزمجرا
تدك قصورًا شادها الكبر فيهم
وتذر الفيافي من عروشهم صدى
كأنهم جذع النخيل تهاوت
دعائمه لما استبان لهم الردى
وفي الحجر الصلد اعتلى صوت صالح
ففجّر من صم الصخور لهم نُقَى
أتتهم كآيات السماء جليّةً
تسير بأمر الله حقًا مؤكدا
فلما عتوا بالعقر أرداهم الردى
ودمدم فيهم بأس ربك إذ قضى
فما بقيت دار ولا ظل قائم
ولا نفس إلا في التراب تبلّدا
وفي مدين قام شعيب بحكمة
يُقوّم ميزان المعامل معتدلا
فناداهم أوفوا الكيول فإنما
يقيم عماد العدل وزن موفّرا
فخانوا وباعوا الحق بخسًا فأطبقت
عليهم يد التدمير خسفًا مروّعا
تزلزلت الأرض التي فوقها بنوا
وأمست ديار القوم رمسًا مبعّدا
وهذا خليل الله أقبل خاشعًا
يعظّم أمر الله قلبًا ومعبدا
يرفع قواعد بيت الله طاعةً
ومعه ابنه إسماعيل صدقًا وسؤددا
فكان لبيت الله في الأرض هيبةٌ
إذا ذُكر الرحمن فيه توحّدا
تطوف به الأرواح قبل جسومها
وتحني له هام الملوك تعبّدا
ومن حوله قامت شعائر ربنا
تجلّت بها الأرواح ذكرًا ومشهدا
وفي مكة الغراء لاح محمد
فأشرق وجه الأرض بالوحي مهتدى
شق الدجى حتى تولى ظلامه
وأصبح ليل الجهل في الأرض منجلى
أقام لواء الحق سيف عقيدة
فما لان حتى أذعن الخلق وانثنى
وسار به القرآن نورًا مبينًا
يفجّر في قلب البصائر موردا
به أمة قامت على الحق أمة
إذا قيل من قالت إلى الله مهتدى
بهم سحقت أصنام وهم قديمة
وأشرق في وجه الحضارة مقصدا
فيا موطن الآيات عزًا ومنعة
بك الله أعلى للنبوات محتدا
أيا أرض من ساروا بنور إلههم
فما لان في درب الهداية من مشى
هم القوم إن نادى الإله لنصره
أجابوا فزلزل بأسهم من تعدّى
وإن سد درب الحق شقوا جباله
وإن عسر المرقى تساموا إلى الذرى
لهم في ذرى التاريخ مجد مشيّد
إذا ذكر الأحرار كانوا له صدى
إذا ذكروا خفقت قلوب مهابة
كأن جلال الحق فيهم تجلّى
سلام عليهم ما تعاقب ليلنا
وما لاح فجر في السماء وما علا
سلام على أرض النبوات كلها
وعز لها ما دام في الأرض من هدى