تخطَّ إلى المحتوى

مرة أخرى إلى الباحثين عن وطن في الوطن

غير معروف

١٠٢ بيت

المتفرقات

مرة أخرى إلى الباحثين عن وطن في الوطن..

ذَا سِرُّكَ المَخبُوءُ تَفضَحهُ عُيونُكَ فَاعتَرفْ

أَنَّ الدُّروبَ الآنَ مُوحِشةٌ

وأنّ الأَصدِقاءَ تَفرَّقُوا..

تَركُوكَ وَحدكَ هَا هُنَا وَسطَ الطّرِيقِ مُكابِرًا

تَعِبًا تُراوِدُكَ الأَمَانِي

كَي تَكُفَّ عنِ التَّرحُّلِ في مَدَاراتِ

القَوافِي بَاحثًا عنْ مَوطنٍ وحَبيبةٍ..

عنْ عَالَمٍ تَحيَا بهِ كَجَميعِ خَلقِ الله

فِي الوَطنِ الكَبِيرْ

لا.. لَستَ تَحلُمُ بِالكَثيرْ

بِوَظِيفةٍ..

تُعفِيكَ منْ تِلكَ المَرارَةِ والأَسَى

المَبثُوثِ في أَحدَاقِ أُمِّكَ خِنجرًا يَغتَالُ

قَلبكَ كُلَّمَا نَظرَتْ إِليكَ مُحطَّمًا..

يا وَيحهَا..

وكَأنَّهَا لمْ يَكفِهَا كلُّ الذِي قَاستْهُ قَبلكَ

كي تَزيدَ مُصيبَةً أُخرَى على القَلبِ الكَسيرْ

يا لَيتَهَا ثَكِلتْكَ قَبلَ اليَومِ وارتَاحتْ هُنَا..

كَانتْ سَتحزنُ مِثلَ كلِّ الأُمّهاتِ

تَزورُ قَبركَ في المَواسمِ

أو إِذا ذَكَرَتكَ واشتَدَّ الحَنينُ

تَعودُ تَبكِي فَوقَ قَبركَ بُرهةً أُخرَى..

وتَرضَى بِالدُّعاءِ بِرحمةِ الله القَديرْ..

تُعفِيكَ منْ تَعذيبِ نَفسكَ كلَّ صُبحٍ بَينَ

أَعمدةِ الوَظائفِ في الصَّحائفِ..

منْ سُؤالِ الصَّحبِ..

منْ طَعمِ الشَّماتةِ في عُيونِ الحَاقِدينَ..

ومنْ سُهادٍ قدْ تَوطَّنَ مُقلتَيكَ..

منَ الرِّفاقِ تَجنَّبوكَ..

منَ التَّلعثُمِ والتّحجُّجِ بِانشِغالكَ كُلَّمَا..

لا.. لَستَ تَحلمُ بِالكَثيرْ

لا لَستَ تَحلمُ بِالكَثيرِ

بِمنزِلٍ..

تأوِي إِليهِ معَ المَساءِ إذا تَعبتَ

منَ التَّسكُّعِ بَينَ أَرصِفةِ الشَّوارعِ

حِينَ تَبصقُكَ المَقاهِي مُتخمًا بِالقَهرِ..

بِالأَحزانِ.. بِالتّبغِ الرَّديءِ..

بِحقدِكَ المَشبُوبِ نَارًا كَالسَّعيرْ

سَقفٌ لِتَصرخَ فِيهِ مَدَّ أَساكَ حُرًا..

لَيسَ قَصرًا أو سَرايَا حَولَهَا

الأَشجَارُ والأَنهَارُ تَجرِي والغَدِيرْ..

سَقفٌ فَقطْ يَكفِي لِتَخلَعَ فِيهِ حُزنَكَ

دُونَ أنْ تَخشَى تَلصُّصَ أَعينِ المَارِّينَ..

نَافِذةً لِتسهرَ خَلفهَا في الأُمسِياتِ البَارِداتِ

تَخطُّ فَوقَ زُجاجِهَا بَعضَ الذِي تُخفِيهِ

منْ وَجدٍ..

وتَغفُو فَوقَ مَقعَدكَ الأَثيرْ

لا.. لَستَ تَحلمُ بِالكَثيرْ

لا لَستَ تَحلمُ بِالكَثير

بِزَوجةٍ..

تُلقِي عَليهَا نِصفَ حِملِكَ

نِصفَ حُلمِكَ..

لَيسَ شَرطًا أنْ تَكونَ جَميلةً جِدًا

وسَاحِرةً كَنَجماتِ الغِنَاء..

بلْ لَيسَ شَرطًا أنْ تَكونَ جَميلةً حتَّى!!

فَقطْ أُنثَى وطَيِّبةً.. تُقاسمُكَ الحَياةَ

وتَرتضِي بِالحُلوِ فِيهَا والمَرِيرْ

تَشكُو إِليهَا بَعضَ هَمِّكَ حِينَ تَرجعُ مُتعبًا..

لا بَأسَ لو صَرَختْ قَلِيلا مِثلَ أُمّكَ

حِينَ تُغضِبُهَا بِصَمتِكَ إذْ تُثرثِرُ

حَولَ فُستَانٍ جَديدٍ شَاهَدَتهُ..

أو تَقُصُّ عَليكَ ما سَمِعَتهُ منْ جَاراتِهَا

أو سِرَّ ما كَشفَتهُ أَحدَاثُ المَسلسَلِ

قَبلَ حَلقتِهِ الأَخيرَةِ..

تَشتَكِي مِثلَ النِّساءِ جَمِيعِهنَّ منَ افتِقارِكَ..

ثُمَّ تَرضَى بِاليَسيرْ

لا.. لَستَ تَحلُمُ بِالكَثيرْ

بِصَغيرَةٍ..

مِثلَ المَلاكِ تَضُمُّهَا عَجِلا إِليكَ

إذَا رَجعتَ مع المَساءِ مُحمَّلا

بِالشَّوقِ والحَلوَى..

تُعِيدُ إِليكَ بَراءَةَ الأَطفالِ..

تَسقِي قَلبكَ الظَّمآنَ..

تَعرِفُ كَيفَ تَنزعُ منْ شِفاهِكَ بَسمَةً

رَغمَ الأَسَى..

تُنسِيكَ ما يُضنِيكَ..

تُنبِتُ في صَحارَى رُوحِكَ الحَيرَى

زُهورَ الحُبِّ تَعبَقُ بِالعَبِيرْ

لا لَستَ تَحلُمُ بِالكَ..

لا!!!

بلْ أَنتَ تَحلُمُ بِالكَثيرِ.. وبِالكَثيرْ

هَيَّا اعتَرِفْ

هَذِي الطَّريقُ تَطاوَلتْ جِدًا

وأَفرَدكَ الرِّفاقُ ولَستَ تَدرِي

أَينَ يَأخُذكَ المَسيرْ

أَدرِي بِأنَّكَ تَائِهٌ ومُشتَّتٌ ومُشوَّشٌ..

لَكِنْ تُكابِرُ إذْ تُخادِعُ قَلبَكَ كُلَّ

مُنعرَجٍ على الدَّربِ الطّويلِ

تَقولُ هَانتْ ذَا الأَخِيرُ.. ولا أَخِيرْ

حتَّى متَى تَبقَى تُعلِّقُ فَوقَ أَوتَادِ القَوافِي

حُلْمَ عُمرِكَ والمُنَى..

مِرآتُكَ انكَسرَتْ وأَنتَ هُنَا

تُحاوِلُ أنْ تَلُمَّ منَ الشَّظَايَا طَيفَهُمْ

وتَغُضُّ عنْ رُؤيَا الحَقيقَةِ طَرْفَ رُوحِكَ

مُنكِرًا ما لَيسَ يَحجبُهُ التَّجاهُلُ والنَّكِيرْ

حطِّمْ جِرَارَ الحُلْمِ

ما اقتَرفَتْ رُؤَاكَ منَ القَصائدِ

ما تَعلَّقَهُ فُؤادُكَ منْ سَرابٍ

أو أَمانٍ

ثُمَّ عُدْ لِلنُّقطةِ الأُولَى

وعِشْ كَجمِيعِ خَلقِ الله في الوَطنِ الكَبِيرْ