لا تذْهبِي..
لا تَترُكينِي أبْكِي ...
من وَجدِ الغِيابِ..
وتَذهَبي..
لا تهْجُرِيني مِثلَ فَرخٍ..
يَجْبَه أنواءَ الشِّتاءِ..
وتهرُبِي..
كلُّ الأمَاكنِ..
بعدَ رُوحِ الشَّمسِ..
يُغرِقُها القتامُ وتَستَتِر
حتى البَلابِلُ في المَغيبِ...
تلُوذُ في عَتمِ الوُكورِ..
لتَخْتبِي
تَبقَى المَدائنُ ...
بعْد مَوتِ الفَرحِ...
يَكْسُوهَا الحُطامُ وتحتَضِر
حتى الضَّحَايَا..
حينَ تثْكلُ في التَّعاسَةِ..
تَحتَبي
لا تَترُكينِي أَرثِي أزْهارَ الرَّبيعِ..
على شَواهِد يثْوِيها الخَريفُ
وتَذْهَبي
لا تَترُكِينِي تحتَ سِندَانِ العَذَابِ..
المُستَبيحِ الناصِبِ
كيفَ الغَريقُ..
يَذُود أمْواجَ الظُّنونِ..
ويَنجَرِفُ خَلفَ الغُروبِ
بعَصْفِ نَّوْءٍ عَاتِيٍ مُتقلِّبِ؟!
هل من نَجاةٍ في الرَّدَى؟!
في يومِ خَوفٍ
تَغرقُ الأحْلامُ فيه..
وتنْكَسِر..
خَلفَ الغُيُومِ قَوَارِبي؟!
لا تَترُكِيني كَالشُّمُوعِ..
تُضيئُ فَرحًا بالحَياةِ..
و تَلقَىَ في شذَا الأحْلامِ..
فَيضَ تَعذُّبِ..
لا تَذْهَبي..
فبِحَسبِ هَذا الكَونِ..
تَغربُ شَمسُهُ . ..
في كُلِّ يومٍ يَنقَضِي
وحَسبِي أنَّكِ كالسَّنَا..
وضَّاءةٌ..لا تَغرُبِي
أَفهَل عَلمتِ!!
بكَيفَ تَنشَّقُ الحِجارةُ..
حينَ تَندَفعُ الحَياةُ..
بنَهرِ عِشقٍ أعْذبٍ؟!
أوَ كيفَ ينفَطرُ البُكاءُ..
بقَلب أمٍّ؟!
حينَ تَشردُ فِي الزِّحامِ..
بِلا اهتِداءٍ للصَّبي
أرجُوكِ لا تتَغيَّبي..
لا تَنتَوي دَربَ الرَّحيلِ وتَذهَبي..
بل قُولِي أنكِ عَاتِبة..
أو قُولِي أنكِ غَاضِبة..
أو حتى أنكِ هَارِبة..
مِثل الطُّيورِ..
تَنوصُ من غَيمِ السَّماءِ المُتَعَبة
لَكن - باللهِ - ألَّا تَذهَبِي..
لا تَترُكينِي.. بينَ أنْيابِ الغِيابِ وتَذهَبِي
لا تَسْلُبي بالافْتِراقِ وَرِيدَ نَبضٍ..
يُعطِي أسْبَابَ الحَياةِ وتَغرُبي..
وإن نَوَيتي ذَاتَ يَومٍ للرَّحيلِ الأصْعبِ..
فقُولِي أنَّكِ ذَاهِبَة..
لكن بِيومٍ آيبَة..
مثل القَطاةِ..
تَجيءُ من خَلفِ الطَّريقِ
وتحتَوِي..سربَ الشَّتاتِ الغَائبة
كلُّ الطُّيورِ..
تَسيحُ في بَحرِ السَّمَاءِ بلا كَللٍ
كلُّ الطُّيورِ مُقامِرة..
كلُّ الطُّيورِ مُغامِرة..
كلُّ الطُّيورِ..
تُلاحِقُ إلحَاحَ السُّؤالِ وتَرْتحِل
لكن تَفِيءُ بذَاتِ يومٍ في النِّهايةِ..
حينَ تَعلَمُ كُلَّ شيءٍ..
حينَ تُدرِكُ في الرَّحيلِ..
جَوابَ كُلِّ الأسْئِلةِ
فإن نَوَيتِ ذاتَ يَومٍ...
للرَّحيلِ الأصْعبِ
فأخفِي عَليَّ ما تَجرِي خُطاهُ
أو اخْدَعِينِي واكذِبِي!
أو قُولِي أنك رَاحلةٌ..
خَلفَ الغُيومِ..
مع السَّحابِ...
لتَلمسِي شَمسَ السَّماءِ..
تُلاحِقي ضَوءَ النُّجومِ
فكلُّ شَيءٍ تَنطَقيهِ...
الآنَ صَارَ كمَذْهَبي
أرجُوكِ ألَّا تَعْجَبي..
هيَّا اخْدَعِينِي واكْذِبي
أرأيتِ من يبغي خداعًا!!؟
أو يَتوقُ بِكلِّ شَوقٍ ...
للسُّقوطِ الحَاصِبِ؟
هيَّا اخدَعِيني واكْذِبِي
فالكَذِبُ أصْبَحَ مَطْلَبِي
أرَأيتِ من يَرجُو سُقُوطًا...
في شِراكٍ..
أو قِفَارٍ مُجدِبِ
يَكفِي رَجاءً واجْتَبِي..
هذي حَيَاتُكِ ها هنا..
كلُّ الليَالِي الحَالمَاتِ..
الأُمسِياتِ، الأُغنِياتِ، الأُمنِياتِ..
وذِكرَياتِ الأمْكِنة
هذه حَيَاتُكِ ها هُنا..
لا تَترُكِيها للزَّوالِ وتَغْضبِي
لا تَهربِي..
لا تَذهبِي..
وإن نَويتِ ذَاتَ يَومٍ..
للرَّحيلِ الأصْعبِ
فتَكَلَّمي..
أو فاعْلَمِي..
أن الذَّهَابَ سَيعْنِي..
أن يَفنَى الوُجودُ بِعَالمِي
أن ينُتقَصَ بحرُ الحَياةِ..
بعَاشقٍ..رَهنَ الوَفاءِ مُتيَّمِ
أو أن أعِيشَ كَما الطَّريدِ
كما المُسيءِ المُذنِبِ
يحيًا بِقلبٍ مَيّتٍ..
يمشي بروحِ الغائبِ
يَكفِي رَجاءً واجتَبِي..
سُبلَ البَقاءِ لمَطلَبِي
وإن عَزَمتِ ذَاتَ يومٍ للذَّهابِ..
فعَاهِدِيني..
أو..لا أَبا لَكِ ترغَبِي!!
أو قُولي:لا أنْوِي الغِيابَ..
وإنمَّا : هذا..ذَهابُ المُؤَوَّبِ
أو فَابقَيْ إن شِئتِ فَقط..
وبغيرِ أن تَطْوِي الحَياةَ وتَذْهَبي..
لا تَذْهبِي..
لا تَذْهبِي