ما أطولَ الليل على الحائرْ
لا مجلسٌ يزهو ولا سامرْ
والكونُ في غفوته سابحٌ
والنجمُ في أُفْق السما ساهر
في الأيْك همسٌ خافتٌ ينطوي
على أسىً مكنونُهُ جاهر
لا تفهم الآذانُ معنًى له
وإنما يدركه الخاطر
وفي الرَّوابي نغمٌ عذبةٌ
يبثها الطائُر للطائر
ونسمةٌ ريّانةٌ أقبلت
تجرَّ تيهًا ذيلَها العاطر
نامت عيون الناس واستيقظت
دنيا خيالٍ فاتنٍ ساحر
وراحت الأرض تبثُّ السما
حديث حبٍّ ما له آخر
هذي دُنا الأرواح يا طيبَها
ليس بها باغٍ ولا وازر
ما طمستْ كفُّ الورى حسنَها
ولم تدنِّسْ قلبها الطاهر
نهضْتُ استوحي جمال الرؤى
والنهر غافٍ والدجى ساكر
فأبصرت عيناي في نجوةٍ
غانيةً حسبتُها ساحر
تسري كمن خامرها ريبةٌ
فلبثَتْ لا تُغمض الناظر
دنوت منها مُستطارَ النُّهى
فأقبلت بوجهها الباسر
ووقفتْ ترنو إلى ناظري
بمقلةِ المنكودةِ الطائر
تمشي وقد أخْنَتْ على حسنها
صروفُ هذا الزمن الجائر
في وجهها من الصِّبا روقةٌ
تسبحُ في نجيعِها المائر
مرأى تفرُّ العين من بُؤسه
ويستطير الكبدُ الشاعر
هل أبصرت عيناك ريحانةً
تميل في غصن الصِّبا الناضر
ما رشف الليلُ لمى ثغرها
حتى دهاها اللاّحبُ الباكر
الأرض تشكو من ألاعيبهم
وسمعُهم عن شكوها واقر
أوفاهمُ بوعده ناكثٌ
أصدقُهم لعهده ناكر