زار وهناً لابساً برد الظلام
حدراً من كاشح أو خوف لاح
فمحا الليل بوجه وابتسام
وحسبنا أنه لاح الصباح
رشأ يختال عن غصن الأراك
ويعير الشهد طعما من لماه
فيه للصب حياة وهلاك
وصله يحييه والحتف نواه
أنشأت قامته الطعن الدراك
لحشاً من بات صباً في هواه
وغدا يفتر عن حب الغمام
من ثناياه وعن زهر الاقاح
ريقه المعسول لا كاس المدام
فيه قد طاب اغتباقي واصطباح
يا نديمي وأخو العقل الرجيح
من إذا يدعى إلى خير أجاب
فاطرد الأحزان بالوجه الصبيح
وارتشف إن شئت من حمر الرضاب
لا تعر سمعاً لما قال النصيح
واغنم اللذات أيام الشباب
بثقيل الردف مياس القوام
أخرس الخلخال منطيق الوشاح
إن تبدى أخجل البدر التمام
أو تثنى أخجل السمر الرماح
نظر الورد إلى وجنته
غدوة فاحمر من فرط الخجل
ورنا البدر إلى طلعته
فتوارى من حياء وأفل
واستعار الريم من مقلته
ومن الجيد التفاتاً وكحل
ورأى قامته الغصن فهام
ورثى القمري للغصن فناح
ووعى البلبل من فيه الكلام
فلذا جاء بأنغام فصاح
يا سقي الله زماناً للشباب
قد تقضى بين لهو وغزل
حيث طعم العيش حلو مستطاب
لي وروض العمر غض مقتبل
ولون الشيب رأسي لا يعاب
وحديثي مستعاد لا يمل
كيف أرجو في الهوى نيل المرام
وبياض الشيب في الفودين لاح
ما بياض الشيب إلا كالظلام
في عيون الخرد الغيد الملاح
نظرتك الغيد شزراً مذيدا
يا أخا الحب بفوديك المشيب
وغدا من أجله مبتعدا
عنك إلف هو بالأمس قريب
ليس بعد الشيب عطف أبدا
فهو داء لا يداويه الطبيب
فاطرح ذكر التصابي والغرام
في الفتاة الكاعب الخود الرداح
واقصر المدح على المولى الهمام
مصدر الرشد ومنهاج الفلاح
مستهل الوجه وضاح الجبين
ساد بالحلم والعلم معا
علم يهدي إلى النهج المبين
ومنار في السماء ارتفعا
ملك العلياء بالحلم الرزين
ولأشتات المزايا جمعا
فغدا للكل في الكل أمام
وبنى بيتاً سما فوق الضراح
ثابت الأركان مرفوع الدعام
بالرماح اللدن والبيض الصفاح
يرجع الطرف حسيراً عن مداه
خاسئاً عنه مقراً بالقصور
شامخاً لا ترتقي الطير ذراه
وترى من دونه ربد النسور
أرضه العلياء والمجد سماه
وعلى أركانه النجم يدور
هكذا تسمو إلى المجد الكرام
ويطير الذكر من غير جناح
إن إدراك العلى صعب المرام
وهو الجد لعمري لا المزاح
قلد الأعناق أطواق المنن
ورعى الناس يحلم كالجبال
بطن الأشياء علماً وامتحن
وبه امتاز من الحق الضلال
أعلم الناس بفرض وسنن
وأبر الخلق قولا وفعال
فاق بالفضل على كل الأنام
وكساه ربه برد الصلاح