صفصافةٌ في شاطئ السحرِ
تولّهت رغداء بالنهرِ
تميس في فيضِ جمالاتها
جذلى بأحلام الصبا الخضر
هيمى بصبّ لا يفارقها
بين يديه روحُها تجري
إذا تراءتْ فوقَ صفحتِه
ترنحتْ نشوى من الفخر
أوراقها شَدَتْ لحون الهوى
وموجه وشْوَشَ بالشعر
كم انحنتْ أغصانُها فوقه!
وغربلتْ له ضيا البدر!
كم داعبت ظلالها وجهه!
فردّ في دغدغة الجذر
نالتْ يدُ الأقدارِ من شطّه
فانقاد في مجرى من الصّخر
وبات في منفاه يهفو إلى
حبيبةٍ ريمت على الهجر
أينَ التي غنّتْ له؟ والتي
كانت تَقِيه لذعةَ الحرّ؟
كم حوّلت أشعة الشمس في
آبٍ إلى نثر من الدرّ!
أين زمان الحبّ في صفوه
لا نأيَ لا شكوى من الدهر؟
وا متعة الأيام! هل يرتجى
عَوْدٌ إلى المراتع النضر؟
وبرّح النوى بصفصافةٍ
تلوبُ لا تلقى سوى قفر
ذابلة ظمأى تتوق إلى
ارتشافة من ذلك السكْر
حرّى ، سعيرُ الشوق يلهبها
واليأس في أوصالها يسري
بالأمس، إن هبت عليها الصّبا
كانت بها قيثارةَ البشر
واليومَ ، إن هبّتْ عليها بكتْ
معسولةً محنيةَ الظهر
وانتثرتْ أوراقُها فبدتْ
نواحةً مندوفةَ الشَّعر
جدَّ الظما يشتفّ حاضرها
والغد عدّاء إلى القبر
تذكرتْ ماضِيَها صورًا
أيام كان حسنها يُغري
يؤمّها البلبلُ في ولهٍ
يشدو لها ترنيمة الفجر
تحمي صبابات الطيور فقد
درت هناء الوصل بالخُبْر
والآن عاد لِينُها حطبًا
فحطّمتْها الفأس في نُكر
وأُلقيتْ في النار فاستعرتْ
وآل قلبها إلى جمر
يا نهرُ، يا فيضَ الحياة، أما
من دفقةٍ تطفي لظى السعْر؟
ترامتِ الشكوى إلى نهرِها
فراح يغلي موغرَ الصدر
وارتفعتْ سحابةٌ منه في ال
جَوِّ كروح ثائرٍ حرّ
حامت على البطاح تبحث عن
آمالها في مَهْمَه البرّ
فانجذبتْ نحو دُخانٍ علا
شأن دعاء ناصعِ الطهر
وانهمرتْ أدمعُها فوقَه
فأزّتِ النيران بالقطْر
وأحرقتْه مغرمًا تعِسًا
يعود إذ لا حولَ للسّحر
لا نورَ للنجوم، لا طعمَ لل
خمور ، لا أريجَ للزهر
مجّتْه فارتدّ بخارًا إلى
الفضاء في يأس وفي ذعر
وحينما الصفصافة احترقت
ذرّت رمادًا أيما ذرّ