أَمِنْ ذِكْرِ أَطْلالٍ خَلَتْ وَتَعَفَّتِ
جُفُونُكَ بِالدَّمْعِ الهَتُونِ اسْتَهَلَّتِ
أَمْ الوَجْدُ مِنْ تِذْكارِ أَيَّامِكَ الَّتِي
مَضَتْ بِبَشاشاتِ الصِّبا وَتَوَلَّتِ
زَمانٌ بِهِ كانَتْ أُمَيْمُ مُقِيمَةً
عَلَى العَهْدِ لَمْ تَهْجُرْ وَلَمْ تَتَقَلَّتِ
فَيا لَيْتَ شِعْرِي مُذْ بِها شَطَّتْ النَّوَى
أَكانَ شَجاها فَقْدُنا أَمْ تَسَلَّتِ
بَعَثْنا إِلَيْها بِالسَّلامِ فَأَمْسَكَتْ
وَضَنَّتْ عَلَيْنا بِالسَّلامِ وَشَحَّتِ
مِنَ البِيضِ ما مِنْ عَرْصَةِ الدَّارِ قَوَّضَتْ
إِلَى البَيْنِ إِلاَّ فِي فُؤادِيَ حَلَّتِ
تُحاكِي قَضِيبَ الخَيْزُرانِ تَهَزُّعاً
إِذا هِيَ ماسَتْ فِي الخُطَى وَتَثَنَّتِ
تَجَلَّتْ لَنا بَيْنَ القِبابِ وَأَسْفَرَتْ
كَبَدْرٍ تَجَلَّى أَوْ كَشَمْسٍ تَجَلَّتِ
وَرَقْرَقَتْ الأَجْفانَ مِنْها وَأَرْسَلَتْ
رَواشِقَ أَلْحاظٍ جَنَتْ وَتَجَنَّتِ
وَأَبْدَتْ لَنا مِنْها الدَّلالَ فَنَبَّهَتْ
وَأَحْيَتْ نُفُوساً فِي هَواها تَوَفَّتِ
فَيا لَلْهَوَى يَوْمَ الْتَقَيْنا وَيا لَها
فَتاةً أَماتَتْ بِالدَّلالِ وَأَحْيَتِ
أَذُوبُ جَوَىً فِي حُبِّها وَوِدادِها
وَإِنْ صَرَمَتْ بِالْهَجْرِ حَبْلِي وَبَتَّتِ
وَأُخْبِرُ عُذّالِي بِأَنِّي وَإِنْ جَفَتْ
وَصَدَّتْ لأَفْدِيها بِرُوحِي وَمُهْجَتِي
وَأَسْتَعْذِبُ التَّعْذِيبَ فِي حُبِّها وَلَوْ
أَطَالَتْ لِيَ التَّعْذِيبَ مُدَّةَ عِيشَتِي
فَوا أَسَفِي لَوْ أَنَّها قَدْ تَصَدَّقَتْ
بِلَثْمٍ إِلَيْهِ النَّفْسُ تاقَتْ وَحَنَّتِ
وَأَسْأَلُ رَبِّي أَنْ يَحُطَّ ذُنُوبَها
وَخَفَّفْتُ عَنْها مِنْ دَمِي وَاسْتَحَلَّتِ
فَمِنْها نَعِيمِي كائِنٌ وَسَعادَتِي
وَمِنْها مَخافاتِي وَبُؤْسِي وَشِقْوَتِي
أَرانِي أَرانِي كُلَّما ذُكِرَ اسْمُها
زَفَرْتُ بِأَنْفاسِي وَأَظْهَرْتُ أَنَّتِي
وَأَزْدادُ شَوْقاً إِنْ شَدَتْ وَتَرَنَّمَتْ
حَمائِمُ فِي أَوْكارِها وَتَغَنَّتِ
وَكَيْفَ سُلُوِّي وَهيَ رُوحِي وَراحَتِي
وَسَعْدِي وَنَحْسِي وَهيَ نارِي وَجَنَّتِي
أَرَى حُبَّها فَرْضاً عَلَيَّ وَسُنَّةً
أُراعِيهِما مِنْ قَبْلِ فَرْضِي وَسُنَّتِي
وَلَمْ أَنْسَ مِنْها مَوْقِفاً يَوْمَ وَدَّعَتْ
غَداةَ رِكابُ الحَيِّ لِلْبَيْنِ زُمَّتِ
غَداةَ انْثَنَتْ تَبْغِي وَداعِي وَأَظْهَرَتْ
كَآبَتَها خَوْفَ انْتِزاحي وَفُرْقَتِي
جَرَى دَمْعُها مِنْ فَوْقِ وَرْدَةِ خَدِّها
فَأَسْعَرَ فِي الأَحْشَاءِ ناراً تَلَظَّتِ
وَقَدْ كانَ مِنْ فَرْطِ الغَرامِ يُذِيبُها
تَوَقُّدُ أَنْفاسِي وَإِحْراقُ لَوْعَتِي
ظَلَلَتُ أُذِيلُ الدَّمْعَ وَالعِيسُ وُقَّفٌ
بِرُكْبانِها ما يَنْقَضِي فَيْضُ عَبْرَتِي
أُرَاقِبُ أَسْرارَ الغُيُوبِ وَما انْطَوَتْ
عَلَيْهِ لَيالِيهِ وَما قَدْ أَجَنَّتِ
فَإِنْ تَسْأَلَنْ عَنْها فَسَلْنِي فَإِنَّنِي
خَبِيرٌ بِما فِي الكَوْنِ خَصَّتْ وَعَمَّتِ
سَأُوْضِحُ وَجْهَ الصِّدْقِ فِي مَنْطِقي وَلَوْ
أُقِيمَتْ عَلَى رأْسِي السُّيُوفُ وَسُلَّتِ
وَلَوْلا اهْتِمامِي ما انْفَرَدْتُ بِوَحْدَتِي
وَلا كَثُرَتْ بَيْنَ الأَقارِبِ غُرْبَتِي
وَكَمْ هَذَّبَتْني النَّائِباتُ وَأَشْحَذَتْ
شَبا نَجْدَتِي وَاسْتَخْرَجَتْ نَارَ عَزْمَتِي
رَأَيْتُ بَنِي الأَيَّامِ لَيْسَتْ طِباعُهُمْ
تُعَاجُ بِمِيثاقٍ وَعَهْدٍ مُؤَقَّتِ
هُمُ سَايَرُوا الدُّنْيا وَدارُوا بِدارِها
وَجُذُّوا جَمِيعاً عِنْدَها حِينَ جَذَّتِ
يَدِينُونَ لِي بِالوُدِّ إِنْ هِيَ أَقْبَلَتْ
وَيَحْتَمِلُونَ البُغْضَ إِنْ هِيَ وَلَّتِ
وَما مِنْهُمُ حاوَلْتُ فِيما أُرِيدُهُ
وُرُودَ حِياضِ البِرِّ إِلاَّ اضْمَحَلَّتِ
وَأَحْسَنُ ما حاكَ الغَمامُ بِقَطْرِهِ
رِياضاً بِمَيثاءٍ رَبَتْ وَاسْتَكَثَّتِ
رِياضٌ سَقَتْها السَّارِياتُ فَأَزْهَرَتْ
كَمائِمُها بِالنَّوْرِ مِنْها وَفُتَّتِ
وَفاحَ العَرَارُ الغَضُّ نَشْراً كَأَنَّما
خَلاقُ عَرارٍ فِيهِ بِالْبِشْرِ مَرَّتِ
جَوادٌ إِذا اسْتَسْقَيْتُ مِنْهُ رَوائِحاً
هَمَتْ بشَآبِيبِ النَّوالِ وَسَحَّتِ
يَرُوحُ بِعِرْضٍ وافِرٍ مُتَجَمِّعٍ
وَيُضْحِي بِمالٍ بِالْعَطايا مُشَتَّتِ
فَتَىً صَحِبَ الدُّنْيا بِنَفْسٍ عَزِيزَةٍ
عَنْ الشِّبْهِ وَالتَّكْيِيفِ عَزَّتْ وَجَلَّتِ
وَصَدَّ خَمِيسَ الحَرْبِ فِي حَوْمَةِ الوَغَى
إِذا أُسْعِرَتْ نارُ الحُرُوبِ وَشُبَّتِ
وَلَوْ سَمِعَتْ أُسْدُ العَرِينِ بِبأْسِهِ
وَسَطْوَتِهِ تَحْتَ العَجاجِ لَوَلَّتِ
لَهُ رايَةٌ فِي المَجْدِ سَامِكَةُ الذُّرَى
سَمَتْ فِي مَعارِيجِ السَّما وَاشْمَخَرَّتِ
تَحَيَّرَتْ الأَفْهامُ فِي كُنْهِهِ وَقَدْ
نَبَتْ أَلْسُنُ الأَفْكارِ عَنْهُ وَكَلَّتِ
وَلَوْ قِيسَت الدُّنْيا جَمِيعاً بِظُفْرِهِ
لَقَلَّتْ إِذاً عَنْ ظُفْرِهِ وَاسْتَحَطَّتِ
أَبا الطِّيبِ طابَتْ مِنْكَ فِينا شَمائِلٌ
بِها أَوْجُهُ الأَيَّامِ طابَتْ وَشَبَّتِ
وَضاءَتْ أَقالِيمُ المَمالِكِ بَعْدَما
سَجَتْ صِبْغَةُ الظَّلْما بِها وَادلَهَمَّتِ
وَلا غَرْوَ إِنْ زارَتْ مَلائِكَةُ السَّما
جَنابَكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنْها وَحَيَّتِ
وَغَيْرُ كَثِيرٍ إِنْ دَنَتْ أَنْجُمُ السَّما
إِلَيْكَ وَدانَتْ بِالسُّجُودِ وَخَرَّتِ