عند رمس تظلّ الأفياء
وعليه ترفرف الورقاء
وغصون الأراك منحنيات
كالبواكي دموعها الأنداء
ونجوم السماء تحجب حينا
ثم تبدو كأنها رقباء
وقفت غادة سماوية الشك
ل عليها من الضياء رداء
يستبي الناظرين منها جمال
لم يصف مثل بعضه الشعراء
إن بدا الوجه فالمساء صباح
أو يدا الفرع فالصباح مساء
يحسب القلب حين ترنو بعين
أن ما في أجفانها كهرباء
ولها من شجونها زفرات
محرقات كأنها الرمضاء
وتسيل الدموع حمرا على الأر
ض فتروى أعشابها الخضراء
فشجت حالها الطبيعة حتى
ركد الماء واستكن الهواء
وعلا ذلك المكان وقار
أنزلته على الضريح السماء
ثم قالت يا رمس حيتك عني
نسمات فيطيهن الكباء
ولترفرف عليك أرواح موتي
يعلم الله أنهم أوفياء
فنفوس الموتى تزورك خير
لك من أن يزورك الأحياء
لهف قلبي على شقيق حياتي
ذهب العز بعده والهناء
ليس لي بعد نأيه من معين
أرتجيه إن نابت الضراء
كان لي في الورى أعزُّ مقام
دونه الشعريان والجوزاء
عشقتني القلوب منهم على أن
نِي في الطهر درة عصماء
ورأوا أنني السبيل إلى الفخ
ر إذا ما تفاخر الكبراء
فتلقى الأبناء حبي مما
كررته من مدحي الآباء
لم أجز قط نقض عهد واخفا
ر ذمام يبغيهما الأدنياء
جعلت سطوتي الخيانة والغد
ر كما يجعل الطلول العفاء
وطويت القرون جيلا فجيلا
ونصيبي من الأنام الولاء
وبهذا الزمان بدل عزي
بهوان وغال سعدي الشقاء
ملني أهله فبت ومالي
من نصير به يناط الرجال
وجفوني ولم أزل ذات حسن
وبهاء ولم يفتني الرواء
قذفتني نفوسهم عند ما أم
ست مقرا تحله الأهواء
وأرادوا دفني وفيّ حياة
وعجيب أن يدفن الأحياء
يتوارون ان بدوت ازورارا
فكأني بلية أو وباء
عجبا كيف يضمرون لي البغ
ض ألم يبق في النفوس إباء
وشقيقي قد كان في الزمان السا
لف مولى يجله العظماء
كان للناس وازعا عن ذنوب
وله جلّة الورى أصفياء
لم يضيّع جميل فرد من النا
س فكوفي أولئك الأمناء
تثبت السلم في البلاد إذا شا
ء وتصلى بأمره الهيجاء
وإليه تزجى المطيّ وترتا
د حماه السراة والشرفاء
وبه يعقد الرجاء إذا ما
نزلت بالبرية الأرزاء
كان فخر الملوك في كل عصر
وعلاء لمن عداه العلاء
فانقضى مجده القديم وراعت
ه من الناس غارة شعواء
راوحته الخطوب تترى وغادت
ه الرزايا يثيرها الأعداء
نقض الكل عهده وجفاه
كل خل وخانه الحلفاء
جحد العالمون آلاءه الغر
وعار أن تجحد الآلاء
هاجموه فردا فخر على الأر
ض صريعا وليس فيه ذماء
وغدا رمسه يقول اعتبارا
كل شيء عليه يسطو الفناء
وعفا ربعه فأصبح رسما
عصفت فيه للبلى نكباء
يا زمان الشقاء لو عاقب الل
ه زمانا لم تبد فيك ذكاء
لا يرى في بينك ثابت عهد
أو صديق أن يذكر الأصدقاء
ذاك يسعى في قلبه أرقم الحق
د وهذا تهزه الكبرياء
حسد وافر ولؤم طويل
وخداع وغيبة ورياء
يتزيون بالنزاهة والصد
ق كما يستر الإناء طلاء
ويشيرون بالدواء على من
حاز فضلا كأنما الفضل داء
فيك ضاع الجميل واشتهر الغد
ر كثيرا وعمَّت الأسواء
والمراؤن فيك حظهم الود
من الناس أحسنوا أم أساؤا
يا شقيقي فيه عيل بعدك صبري
وعرتني المصائب الدهماء
اشتهي الموت وهو غاية ما ير
جى إذا ما تخاذل النصراء
إن للقبر في زمان لئيم
لبهاء لم تحوه الأبهاء
واكبت على الضريح تروي
ه بدمع كما يسمح الغباء
ثم جادت بنفسها ولها نو
ح شجي ولوعة ورثاء
وهوى من ذرى السماء كسهم
ملك نور وجهه وضاء
ودوى منه في المسامع صوت
رجعته الجبال والأوداء
إن هذي هي الأمانة ماتت
فوق رمس فيه أخوها الوفاء