زايد الناسِ إن تركتَ عيوناً
ليس تبكي فللقلوبِ أنينُ
فالرجالُ الرجالُ دمعٌ حبيسٌ
يتوارى ومدْمعٌ لا يُبينُ
أنت ما مِتّ إنما مات فينا
فرحُ الروح ذلكَ المدفونُ
أيها الراحلُ العظيمُ سلامٌ
لك منا ونحن دمعٌ سخينُ
وحنينٌ إليك في كل روحٍ
أنت فيها سحائبٌ ومزونُ
زايدُ الناسِ ما ترحلْتَ عَنَّا
أنت باقٍ وبائنٌ لا يَبينُ
إنّ منك الرحيلَ ليس رحيلاً
بل خلودٌ وفي القلوبِ يقينُ
ما ترَحّلْتَ إنما مات من لا
يحفظ الناسَ والليالي تخونُ
ما ترَحّلْتَ إنما مات من لا
يُكرِمُ الخلقَ والزمانُ ضنينُ
ما ترَحَّلْتَ إنما مات من لا
يبسُطُ الكفّ والأَكُفُ ظنونُ
إنما الراحلون غيرُكَ فينا
قد طوتهم مراحلٌ وسنونُ
لم يموتوا وكلهم مات حَيّاً
إنما الموتُ بالرجالِ رهينُ
رُبَّ مَيْتٍ يعيشُ دهراً وحَيٍّ
مات قبل الممات فهْو دفينُ
يا حبيبَ القلوب شعبك يبكي
وبكاءُ المحبِّ صمتٌ ثمينُ
ووجومٌ وصدمةٌ وحيارى
والتسابيحُ في الجفون شؤونُ
كم عجوزٍ تبيتُ في الليل تدعو
تطْلبُ الله والدُعا محزونُ
لك ترجو منازلاً ومُقاماً
في جِنانٍ تطوفُ فيهنّ عِينُ
والبلادُ البلادُ بعدك تبكي
شجرٌ واقفٌ وطيرٌ حزينُ
ودروبٌ عرفن خطوَك فيها
ثم أَنْكرنَ أين ذاك الأمينُ
والصحارى تَئنُّ والريحُ فيها
مثلُ صوتِ المحبُّ رِفقٌ وهونُ
تسألُ البيدُ أين غرسَكَ فيها
أيها الفارسُ المحبُّ الحنونُ
زارعَ البيدَ بالظلال سماءً
كنتَ فينا ونحن أرضٌ وطينُ
ساقَك اللهُ للبلاد مُزوناً
وعيوناً فأينعَ النِّسْرِينُ
ثُمَّ لما لَثَمتَ كُلَّ جبينٍ
وكتبتَ القصيدَ وهْو رصينُ
رُحْتَ تُدني الرحيلَ شيئاً فشيئاً
وهو يُغريكَ، والرحيلُ فُتونُ
كيف تبغي الرحيلَ أنت حضورٌ
كيف تبغي الغياب ذاك جنونُ
أنت فينا خواطر ليس تفنى
وبلادٌ ومنزلٌ لا يهونُ
سوف تبقى وإن رحلت حديثاً
ليس يُنسى وللحديثِ شجونُ
زايدَ الناسِ لا رحيلٌ يواري
جبلَ العز كيف ذاك يكونُ
أنت باقٍ وما بقينا سيبقى
لك منّا أنينُنا والحنينُ