تُرَابُ الْأَرْضِ؟
مَا أحْلاهُ مِنْ عَبَقِ
يُجنِّحُ فَوْقَ وِديَانِ القُرى.. كَالسُّحْبِ.. كَالألَقِ
وَيَكتُبُ بعضَ أشْعارٍ.. لِذِي أَرَقِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
لِهَذي الأرضِ.. كَمْ نَحْيَا!
نُردِّدُ مِنْ جِنانِ الخُلْدِ فيها.. نَغْمةً عُلْيَا
نَصُوغُ تُرابها عِقْداً على صَدْرِ الهَوى العُذْرِي
وَنَبْضاً سَاحراً يَسْري بِروحِ الماءِ وَالزَّهْرِ
وَأَسْيَافاً مِنَ الفُولاذِ تَقْطعُ شَأفةَ الشَّرِّ
وَخَيْلاً.. يزْحَمُ الجَوْزاءَ.. بِاسمِ البرِّ وَالبَحْرِ
تَرُدُّ الصَّائلَ المعْتُوهَ.. لِلغَابَاتِ وَالقَبْرِ
تُرابُ الأَرضِ؟
أَعْظَمُ شَاعِرٍ فِينا..
وَأَجْملُ حُلوةٍ تمشي على الحَدَقِ
مُلاعِبُ جِنَّةٍ.. وَنَوَارِسٌ.. وَنَوَافِذٌ في الَّليْلِ مُشْرعَةٌ لأَبْناءِ السَّبِيلِ.. وَكُوزُ مَاءٍ لِلنُّجومِ، وَقَبْضَةٌ لِلقاتِ تمْضُغُهُا الحروفُ، وَطَائرٌ لِلتَّمِّ يَخرُجُ كلَّ عامٍ مَرَّةً يَشْدو بِأعذبِ مَا بِأَوْتارِ الصَّبَابَةِ مِن أَغَانٍ لِلحيَاةِ، وَقُبْلةٌ عِندَ الوَدَاعِ، صَدَىً يُغنّي: عَاااااائِدونْ.
يُسَائِلنا تُرابُ الأرضِ مِنْ عَطْفٍ بهِ كَالأُمِّ يَقتُلُها الحنينْ
أَلَا قولوا مَتَى تَأْتُونْ؟
هَرِمْنا يَا تُرابَ الأرضِ في المنفى
وَرَاءَ سِيَاجِ هذا البَحْرِ وَالمَرْفَا
مَتى تأتونْ؟
أَضَاعُوا يَا تُرَابَ الأَرْضِ تَاريخاً وَأَرْوَاحَاً وَآمَالاً
وَلَا نَدري متى مِنْ جَهْلِهمْ نَشْفى!
هُمُ ضَرَبُوا
وَهَدَّمَ بَطْشُهُمْ حُلُمي
هُمُ اعْتَقَلُوا
وَصَادَرَ قُبْحُهم نغَمي
هُمُ قَصَفوا
وَمَزَّقَ طَيْشُهُمْ عَلَمي
وَلَكنَّ الحنينَ إليكَ يَا مجنونُ
أَقْسَى مِنْ لَظَى القَصْفِ
وَدمعُ العَيْنِ حين يَجِفُّ
وَالذِّكْرى بِلا قَلَمٍ وَلا أوراقْ
تَحْفظُها مِن الإِتْلافِ وَالإِزْهَاقْ
وَتَحْفَظُنا مِن التَّمْزيقِ وَالنَّزْفِ
يَكونُ الصَّمْتُ سَاعَتَهَا..
بَريدَ الدَّاءِ وَالحَتْفِ
عَدِمْنا النَّومَ.. إنْ لَمْ نكتحلْ بِرُؤاكْ
وَكيْفَ يَطِيبُ هذا العَيْشْ؟
وَلَمَّا نَرْتَوِ بِنَدَاكْ؟
هُنا مَاضِيكْ
هنا الآباءُ والأجدادُ والأصحابُ والعشَّاقُ والأقيالُ والأَمْلاكُ والأفلاكُ وَالتِّيجَانُ وَالشُّهداءُ والثَّوْراتُ والمستقبلُ الموعودْ
هُنا أنفاسُكَ الخَلَّابةُ المعنى..
وجُمْهوريَّةٌ نَبضَتْ بِنا قَبلاً
وإنْ كَانَ الطَّريقُ لِفجْرنا مَرصُودْ
هنا سِبْتَمبرُ المنشودْ
هنا أكتوبرُ المعهودْ
هنا مايو..
هنا فبراير المولودْ
هُنا كنَّا نَخيلَ خِيامِ سَاحَتِنا التي امْتدّتْ.. بِوجهِ الرِّيحِ والزَّرَدِ
كَأنَّ غَمَامةً ثَقَبَتْ عيونَ الأفْقِ وَالأَمَدِ
يَمَانِيُّون لِلأَبَدِ.. يَمَانِيُّون لِلأَبَدِ
لِهَذِي الأْرضِ.. كَمْ نحيا
نُطَوِّفُ في هَواهَا.. وَقْتَمَا شِئْنَا.. وَنَذهبُ أَيْنما شِئْنَا
وَيَأْتَلِقُ المسَاءُ بِنا.. وَيُنصِتُ مَوْجُهُ الفِضِّيُّ
لِلكلمَاتِ تَبْرُقُ في مَآقِينا
وَنَرْعُشُ نَجْمَةً.. نَجْمَةْ
وَيُقْبِلُ وَجْهُ بِلقيسٍ.. كَأَجْمَلِ مَا بِروحِ اللهِ مِنْ نِسْمةْ
نُفَدِّيهَا.. وَتَفْدِينَا
وَنَحْمِلُهَا عَلَى الأَهْدَابْ
وَيَبْتَدِئُ الصَّبَاحُ بِنا..
وَيَشْربُ مِن أَغانِينا التي فَرَّتْ إلى الأشجارْ
وَيَغْسِلُنا مِن الأَحْزانِ وَالآهَاتِ وَالأَكْدارْ
وَيَفعلُ كُلَّ مَا شِئنا..
وَيَقطِفُ مِن حقولِ البُنِّ مَا شِئنا
وَيَمْلأ بِاسْمنا الأكوابْ
لِهَذِي الأرضِ كمْ غنّتْ قَوَافِينا:
يَمَانِيُّونَ لِلأَبَدِ.. يَمَانِيُّونَ لِلأَبَدِ
هُنَا يَمَنٌ..
سَتَجْمَعُهُ مِن الأَشْتَاتِ والطُّرُقِ
يَدٌ شَبَّتْ عنِ الأَطْواقِ والأسْوارِ وَالأَحْزابِ وَالفِرَقِ
يَدٌ طَلَعَتْ مِنَ التَّاريخِ
أقوى من قوافي الرِّيحِ وَالصَّحراءْ
وَأكْبِرُ مِن سُلالَةِ عُصْبَةٍ بَلْهَاءْ
يَدٌ سَتُضِيءُ فَوْقَ عُرُوقِها السَّمْراءِ شَمْسُ الأُمَّةِ الكُبْرى
وَتُطلِقُ مِن ثَنَايَاهَا طُيُورَ الوَاحَةِ الخَضْرا
لِأرْضٍ كُلُّها روحٌ على جَسدِ
يَمَانِيُّونَ لِلأَبَدِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
بِرَغمِ القَهْرِ والإقْصاءِ وَالتَّشْريدْ
بِرَغمِ رَصَاصةِ الغَدرِ
بِرَغمِ جَحافلِ المكرِ
بِرَغمِ البطشِ والتَّهْديدْ
سَنَعبُرُ فَوقَ خَطِّ النارِ
بالأمْطَارِ والبَرَدِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
سَنُوقِدُ جَبْهَةَ التَّحْرِيرْ
وَنَرفَعُ رَايةَ التَّنْوِيرْ
وَنَطْوِي السَّهْلَ وَالجَبَلَ
كَطُوفَانٍ إِذَا ارْتَجَلَ
يُطَوِّقُ دَوْلةَ الطُّغيانِ في قَرَنِ
ويَنْخُرُها مِنَ الأعْمَاقْ
وَيَسْكُبُ إِثْرَهَا الأنْدَاءَ وَالأَوْراقْ
كَمِثْلِ الْعَارِضِ الهَتِنِ
ويكنسُ حِقبةَ العفنِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
رَضَعنَا مُذْ خُلِقْنَا البَأسَ
في الَّلبنِ
فَنَامِي يَا رِيَاحُهُمُ
فَمَا اهْتَزَّتْ بِصَوْتِ نُبَاحِهِمْ سُفُني
وَلَدْنَا الأفْقَ، فَارْتَقِبُوا
شُرُوقَ الشَّمسِ والوطنِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ
يَمَانِيُّونَ لِلأبَدِ