تخطَّ إلى المحتوى

سرى الشوق يطوي الليل والليل مزبد

غير معروف

٦٠ بيت

المتفرقات

سرى الشوق يطوي الليل والليل مزبد

يئن كما أنَّ السليم المسهّد

وأضحى يجوس الحي بين حسانه

يسارقهن اللحظ والليل أربد

من الغور غارات عليه تخيفه

ولا نجده من نجدة الدّهر تُسعد

لديه أقاصيص حسان يقصها

على فتيات الحي والحي يشهد

أقاصيص للمهديّ فيها سوائم

تسام على حكم الغرام وترصد

يهش إليها السامعون كأنما

يديرون كأساً من يذقها يعربد

فأصغ إليها بين هارون عصرها

ومأمونه والجيل بالفن يفخر

سمعت الغناء عن وحيد زمانه

يحدث عن إسحاقه ويعبر

مغنٍّ ولكن للخليفة وحده

وعازف عود للخلافة يحصر

رمته بسيف اللحظ بيضاء طفلةٌ

لعوب جواري القصر عنها تقصر

وعاش يغني إذا يغني بحبها

وباتت به في سرها تتضور

ولكنه ما كان يخلو لنفسه

فواقا فيسمو للقاء ويعبر

وكم قد تمنى خلوة من حياته

يمج بها كأساً من الأنس مترعا

فواتته خلسا والزمان كأنما

يروض له ساجي المدامع أتلعا

فلما أجنّته مع العود ليلةٌ

غُدافيّة مذ راهقت لم تبرقعا

يضاحكه فيها من البرق مبسم

ويبكي له طرف من الغيم أدمعا

وللبرد فيها هزة إثر هزة

وللريح بين المانويات مدعى

تمنّى بها وصل الحبيب ولم يزل

يصور أحلام المنى متوقعا

وبات يناغي العود والكأس حوله

يمج به التذكار والعود عازف

فما هي إلا غفوة الديك أو سما

إلى سمعه من جانب الباب هاتف

يقول بصوت فيه أنفاس شيّق

أيدخل محبوب على الباب واقف

فثم سرت في نفسه قشعريرة

فهب وأنفاس الرجاء تَرادَف

يقول أحقاً يا حبيبي تحققت

مناي أم الظلماء وهي عواصف

وأسرع نحو الباب يفتح قفله

يعانقها والقلب بالحب واجف

يجاذبها نحو السرير وقد خلا

له الجو والأشواق ثم نصيره

فقالت سريت الليل نحوك والهوى

كتابي وأنّات الغرام سطوره

فقم وابغ لي عوداً جديداً وعازفا

فقال أنا للفن ويك أميره

فما بالنا نبغي لنا ثم ثالثا

فترفع عن سر الوصال ستوره

فقالت إذا غنى وقام بدوره

تنحى ولا سر يخاف ظهوره

فبادر نحو الدرب ينظر أو بدا

له ظرف أعمى بصير ضميره

فقال له هل تعرف العود والغنا

فقال نعم إني بذياك عارف

فجئني بعود أحكم الفن صنعه

أداعبه والنيرات كواسف

فغنى كما شاءت تواقيع عوده

يصوغهما بيتين وهي كواشف

تصرح عما كان قبل دقائق

وما قاله المحبوب حيث العواطف

سرى يقطع الظلماء والليل عاكف

حبيب بأوقات الزيارة عارف

وما راعني إلا السلام وقوله

أيدخل محبوب على الباب واقف

هناك اشمأزت نفسها وتنكرت

عليه وقالت بحت بالسر خائنا

أتيتك والدنيا عيون وظلمة

أخفف وطئي أن أصادم كائنا

وكنت حريّاً إن تكن صادق الهوى

بأن تقطع الظلما إليّ كمائنا

فما كان إلا أن رأيت مغنيا

فأطلعته أسرارنا والضنائنا

فقال ورب البيت ما فهت عنده

ببنت لسان والهوى لست مائنا

وقام إليها قبلة بعد قبلة

يكاد يُرى من خيفة السخط حائنا

وأتبعها عضاً وضماً مداجيا

حفيظتها أن تستجيش وتغضبا

وما زال بالعتبى لها أو تسامحت

وقالت له داوِ الفؤاد المعذبا

وقل للمغني غننا قال طاعة

فغناهما صوتاً من الراح أعذبا

يزجيهما بيتين هاكهما كما

ضممت إلى السمطين دراً مثقبا

ألا ربما زرت الملاح وربما

لمست بكفيَّ البنان المخضبا

ودغدغت رمان الصدور ولم أزل

أعضعض تفاح الخدود المكببا

هنالك لم يملك وتملك شعورها

وقد أدركا أن المغنَّى موبق

وإن عماه أو تعامي عيونه

مكيدة بنت النيل والصدق موثق

فلم يعرفا ما يفعلان هنا لكم

سوى الاحتشام فهو بالحال أليق

وقال لهم هل مستراح بداركم؟

معدّ لها علِّي به أترفق

فسار ولم يرجع إليهم ففتشوا

فلم ير فيما بينهم مترفق

فجاسوا خلال الدار بحثاً فما رأوا

له أثراً والقفل للباب مطبق

فقالا: غريب ما ألمّ وحادث

رهيب طوته الحال في قالب السر

فأنى لنا أن نرفع الستر دونه

فنعلم ما تحت الطوية من أمر

فصاح بهم من كوة الدار صائح

أبو مرة ذاك المغني بلا شجر

فلا تخشيا باساً فإن أباكما

أبو مرة يرعاكما طيلة الدهر

وما برحت هذي الأساطير أسطرا

بعصر بني العباس في ورق الفكر

فلا تُحرماها واختما بسلافها

حياتكما فالمسك في خاتم السكر