أَقِفْ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ صَرْحًا مُعَلَّقًا
وَأَسْرِجْ مَدَى الْآفَاقِ ضَوْءَ الْمُهَنَّدِ
هُنَاكَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي عَشِقَتْ دَمًا
تَحَلَّتْ رُبَاهَا بِالْفِدَاءِ وَبِالْغَدِ
أُقَاسِمُ أَطْيَارَ السَّمَاءِ بُكَاءَهَا
فَتُثْبِتُ أَنَّ الدَّمْعَ عِزٌّ لِمَنْ يَفْدِي
أُرَاقِصُ أَحْرُفَ الشِّعْرِ فِي لَوْحَةِ النَّدَى
لِأَجْعَلَ مِنْ ذِكْرَى الشَّهِيدِ عَلَى الْعَدِّ
هُمُ الْأَمْسُ، بَلْ أَحْلَى مَنَامَاتِ لَيْلِهِ
وَهُمُ الْيَوْمُ فِي قَلْبِ التُّرَابِ كَمَا الْغَدِ
تَنَادَى الْمَنَايَا فِي مَرَافِئِ عِزِّهِمْ
وَسَارُوا عَلَى الدُّنْيَا كَأَجْنِحَةِ السَّعْدِ
أَبَتْ أَرْضُهُمْ أَنْ تَسْتَحِيلَ إِلَى أَسًى
وَأَمْطَرَتِ الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ كَمَا الرَّعْدِ
وَإِنْ طَالَ بُعْدُ النَّاسِ عَنْ حُلْمِ الْعُلَا
فَقَدْ طَالَ فِيهِمْ مَجْدُ أَوْسِمَةِ الْجِدِّ
هُمُ النُّورُ فِي عَيْنِ الدُّجَى، هُمُ سِرُّهُ
إِذَا غَابَ عَنْ لَيْلِ الْبَرِيَّةِ مَا يَهْدِي
يَرَاعُ الشُّعُورِ يَبُوحُ بِالْحُبِّ كُلَّهُ
وَيَسْطُرُ مَا أَوْدَعَتْهُ نَبْضَةَ الْوَعْدِ
هُمُ الْحَقُّ لَا زَيْفٌ وَلَا خَوْفَ فِي الْوَغَى
فَمَنْ غَرَّبَ الدُّنْيَا سَيَعْلَمُ كَمَا الْعَبْدِ
لَهُمْ قُبْلَةُ الْأَرْوَاحِ، مَا كَانَتِ السَّمَا
تُضَاهِي شُمُوخًا فِي الشُّهَدَاءِ بِهِ بُعْدِي
وَإِنَّ الشَّهَادَةَ لِلْأَرْوَاحِ أُمْنِيَةٌ
تَرُوحُ عَلَى أَجْنِحِ طَيْرٍ إِلَى الْمَجْدِ
فَتِيحُوا لَهُمْ أَبْوَابَ كُلِّ جَنَائِنٍ
تُظَلِّلُهَا الْأَرْوَاحُ فِي أَرْضِهَا الْخُضْدِ
هُمُ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ إِذَا بَكَتْ
عُيُونُ الْأَمَانِي فِي صُدُورِكُمُ النَّدِّ
سَقَوْا الْأَرْضَ حَتَّى أَخْضَرَّتْ بِأَجْسَادٍ
فَصَارُوا مَزَارًا لِلْخُلُودِ وَلِلْوِرْدِ
تَحَدَّثَتِ الرِّيحُ الَّتِي جَاءَتْ عَنِ الْمَضَى
وَقَالَتْ: مَتَى يَحْيَا الْأَحِبَّةُ فِي الْبُعْدِ؟
أَتَوْا بِالْحَيَاةِ وَدَّعُوا كُلَّ زَهْرَةٍ
وَغَادَرُوا الدُّنْيَا بِصَبْرٍ عَلَى الْجَهْدِ
تَرَكُوا فِي الْقُلُوبِ حَكَايَا الشَّوْقِ إِذَا
تَحَدَّثَتِ الذِّكْرَى عَنِ الْمَاضِي الْمَجْدِي
أَيَا شَهِيدًا عَلَى الْأَفْلَاكِ مُرْتَفِعًا
تَحُفُّهُ الْأَمَلُ السَّامِي بِلَا عَدٍّ
لَكَ السَّمَاءُ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مُهْتَفَةٌ
تُرَتِّلُ الْمَجْدَ فِي التَّكْبِيرِ وَالْحَمْدِ
تَرَكْتَ بَصْمَةَ نُورٍ فِي دُمُوعِنَا وَصِرْتَ
نَجْمًا يُضِيءُ اللَّيْلَ بِالْجَهْدِ
وَكَيْفَ تَغْفُو الْقُلُوبُ الْيَوْمَ مُطْمَئِنَّةً
وَأَنْتَ فِيهَا صَدَى التَّرْنِيمِ بِالْوَعْدِ
تَفَجَّرَتْ أَرْضُنَا بِالنُّورِ تَكْتُبُهُ يَدَاكَ
بِالْحَقِّ بَيْنَ السَّيْفِ وَالسَّدِّ
أَجَابَكَ التَّارِيخُ: “مَنْ كَانَ فِي دَمِهِ
سَبِيلُ حَقٍّ، سَيَحْيَا فَوْقَ كُلِّ يَدِ”
فَكُنْتَ أُنْشُودَةَ الْأَحْرَارِ فِي زَمَنٍ
تَقَاسَمَ الظُّلْمُ فِيهِ الْمَجْدَ بِالْفَقْدِ
وَصِرْتَ أُغْنِيَةَ الْأَطْفَالِ فِي وَطَنٍ
تَنَاثَرَتْ فِيهِ أَحْلَامُ الْهَوَى وَالْعِدِّ
إِذَا تَكَلَّمَ فِي لَيْلِ الظُّلْمِ صَوْتُكُمُ
رَجَفَ الظَّلَامُ وَقَالَ: “أَنْتَ عَلَى السَّدِّ”
أَحْيَيْتَ فِي الرُّوحِ أَمْجَادًا مُقَدَّسَةً
تَسِيرُ فِي دَرْبِنَا بِالْعِزِّ وَالرَّشَدِ
دِمَاؤُكُمْ أَسْطُرُ التَّارِيخِ، لَا هَوًى
يُطْفِي شُعَاعًا بَدَا فِي كُلِّ مُرْتَدِّ
إِذَا الشَّهَادَةُ نَادَتْ فِي حَنَاجِرِكُمْ
قُلْتُمْ لَهَا: "هَا نَحْنُ نَفْدِيكِ بِالْجَسَدِ"
وَلَوْ سَأَلْتَ الْمَوَاجِيدَ الَّتِي سَكَنَتْ
فِي صَدْرِ كُلِّ شَهِيدٍ عَنْ صَدَى الْخُلْدِ
لَقَالَتِ الرُّوحُ: "لِلْفِرْدَوْسِ غَايَتُنَا
وَنَحْنُ أَنْصَارُ مَنْ يُحْيِي عَلَى الْحَدِّ"
أَيَا شَهِيدًا بِأَجْنِحَةِ الْفَضِيلَةِ قَدْ
سَمَوْتَ نَجْمًا يُرَاقِي السُّحْبَ بِالْوِدِّ
هُمُ الْعِزُّ، أَرْوَاحُ الْهُدَى وَمَنَابِعُهُ
تَرَصَّعَ فَوْقَ الدَّهْرِ أَثَرًا لِمَنْ يَفْدِي
كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ نَبْضُ أَفْلَاكِ السَّمَا
تُدَوِّنُ لِلْأَجْيَالِ سِفْرًا مِنَ الرَّشَدِ
أَفَاضُوا عَلَى الْأَرْضِ السَّنَا حِينَ أَشْرَقُوا
وَصَارُوا لِهَذَا الْكَوْنِ كَالْكَوْكَبِ الْوَقْدِ
إِذَا مَا أَتَتْهُمْ كُلُّ نَائِبَةٍ تَرَى لَهُمْ
فِي سَمَاءِ الْمَجْدِ مَحْفِلَةَ الْعَهْدِ
يُحَاوِرُهُمُ التَّارِيخُ عَنْ كُلِّ قِصَّةٍ
فَيَرْوُونَ لِلْأَزْمَانِ أَحْرُفَهُمْ جُدِّي
وَمَا انْتَصَبَتْ أَعْدَادُهُمْ فِي الْوَغَى سُدًى
وَلَا خَطَرَتْ فِي الْأُفُقِ مَسْأَلَةُ النَّدِّ
فَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَوْتَ يُنْهِي سَبِيلَهُمْ
فَقَدْ جَهِلَ الدُّنْيَا وَمَعْرِفَةَ الْحَدِّ
تَصَدَّوْا لِكُلِّ الشَّرِّ، صَارُوا دِرَاعَهَا
وَصَانُوا ثَرَى الْأَجْيَالِ بِالْعَزْمِ وَالصَّدِّ
إِذَا حَارَتِ الْأَبْصَارُ فِي وَجْهِ قَاتِلٍ
تَفَتَّحَ فِي عَيْنِ الشَّهِيدِ هُدًى بَعْدِي
هُمُ الْحُبُّ فِي الْأَرْوَاحِ، مَا طَالَ ذِكْرُهُمْ
وَمَا بَاتَ يَطْوِي الْمَجْدُ صَفْحَتَهُمْ جَهْدِي
إِذَا سَارَتِ الذِّكْرَى عَلَى قَدَمِ الْهَوَى
تَعَثَّرَتِ الدُّنْيَا وَرَدَّدَهَا الْوَعْدُ
يُحَاوِرُهُمْ وَقْتٌ عَلَى كُلِّ قِمَّةٍ
فَيَكْتُبُهُمْ دَفْتَرُ التَّارِيخِ بِالْبُعْدِ
وَإِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا تُرِيدُ انْتِقَاصَهُمْ
فَإِنَّ سُمُوَّ النَّفْسِ أَفْضَلُ مِنَ الْقَدِّ
وَإِنَّ دِمَاءَ الْحُرِّ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا
تَصِيحُ عَلَى الْأَيَّامِ صَيْحَتَهَا الْجُدِّي
تَمَنَّوْا فِدَاءً، لَا طَمُوحًا بِدُنْيَتِهِمْ
وَمَا زَادَهُمْ دِفْءُ الْحَيَاةِ وَلَا الْبَرْدِ
وَإِنَّ الْأُمُومَاتِ الَّتِي أَنْجَبَتْهُمُ
كَأَنَّهُنَّ بَدْرٌ يُضِيءُ عَلَى النَّجْدِ
أَرْضَعْنَ مَعَ اللَّبَنِ الشُّمُوخَ وَعِزَّةً
فَصَارُوا عَلَى الدُّنْيَا كَأَسْيَافِ ذِي الْصَدِّ
يُوَدِّعْنَ أَبْنَاءَهُنَّ كَأَنَّهُنَّ فِي مَوَاقِفِ
صَبْرٍ لَا تَزُولُ وَلَا تَشْدِي
إِذَا جَاءَهَا نَبَأُ الشَّهَادَةِ زَغْرَدَتْ
وَقَالَتْ: رِضَايَ النُّورُ يَفْتَحُ كُلَّ سَدِّ
كَأَنَّ رَحِيمَ الْأَرْضِ فِي جَسَدِ الْوَلَدِ
يُقَبِّلُهَا بِالْحُبِّ وَالْعَزْمِ وَالْوِدِّ
هُمُ الدِّرْعُ وَالسَّيْفُ الَّذِي حَفِظَ الْوَرَى
وَهُمْ بَيْنَ جُنْبَيْهَا السُّمُوُّ وَذَا الْقَدِّ
أُمُومَتُهَا تَحْمِي جِرَاحَ وُجُودِهَا وَتَسْقِيهِ
صَبْرًا فِي مَدَى الْقَفْرِ وَالسَّهْدِ
فَتَسْأَلُهَا الدُّنْيَا: لِمَنْ هَذِهِ الرُّبَا؟
فَتَرْفَعُ صَوْتَ الْعِزِّ: لِلنَّصْرِ وَالْمَجْدِ
إِذَا عَزَّ فِي الْأَرْضِ الْوَلِيُّ وَقَلَّنَا
تَرَاهُنَّ صُنَّاعَ الْمَجَازِفِ وَالْحَشْدِ
يَرَاعُ النِّسَاءِ فِي دَمِ الشُّهَدَاءِ
مِنْ صَبَاحِ نُهَاهُنَّ إِلَى مَغِيبِ الرَّدِّ
فَإِنَّ أَرَاضِي السَّلْقِينَ تَزُفُّهُمْ إِلَى
الْمَجْدِ أَنْوَارًا تُحَاكِي ضِيَاءَ الرَّشَدِ
وَمَا زَادَ أُمًّا فِي الصَّبَابَةِ أَحْرُفًا
تُجَاوِزُ عِنْدَ الْحُبِّ كُلَّ شِعَابِ النَّدِّ
فَتَسْأَلُ عَنْهُمْ، كَيْفَ صَارُوا لِدَوْحَةٍ
تُظَلِّلُ فَوْقَ الْأَرْضِ مِحْرَابَ كُلِّ مَدِّ
إِذَا قِيلَ: مَنْ زَفُّوا شُمُوخَ جُسُورِهِمْ؟
تَرَاهُنَّ صَانِعَاتِ الرِّجَالِ بِذَا الْعَدِّ
يُطَهِّرْنَ بِالْحُبِّ التُّرَابَ كَأَنَّهُ
عَلَى جَسَدِ الْأَرْضِ مَزَارٌ لِكُلِّ جِدِّ
أَيَا وَطَنًا جَسَّدْتَ أَحْلَامَ أُمَّتِي
وَصُغْتَ لَنَا مَجْدًا يَفُوقُ عَلَى الْوِدِّ
هُنَا صَارَ كُلُّ الشُّهَدَاءِ مَنَارَةً
تُضِيءُ بِهَا الدُّنْيَا كَأَنْجُمِهَا الْبُعْدِ
تَحَدَّثَتِ الْأَرْضُ الَّتِي ضَمَّتِ الدِّمَا
فَقَالَتْ: لِهَذَا الْعِزِّ أَفْنَيْتُ كُلَّ جَهْدِي
إِذَا سَارَتِ الْأَرْوَاحُ فِي أُفُقِ السَّمَا
تَسَامَى بِهَا التَّارِيخُ فِي قِمَمِ الْمَجْدِ
وَصَارَتْ ثَرَى الْأَسْرَارِ، تَرْوِي حِكَايَةً
تُذَاعُ كَمَا الْأَنْفَاسُ فِي نَبْضِ كُلِّ وِدِّ
يَرَى النَّاسُ فِي عَيْنِ الشَّهِيدِ عَزَائِمًا
كَأَنَّ سَنَى الرُّوحِ يُجَاوِزُ كُلَّ قَصْدِ
وَيَبْكِي ثَرَى الْأَجْدَادِ إِنْ غَابَ نَاصِرٌ
تُوَسِّدُهُ الْأَرْضُ كَمِصْبَاحِهَا الْوَقْدِ
لَقَدْ عَشِقُوا حُبَّ الثَّرَى حِينَ أَذْهَبُوا
إِلَيْهِ كَمَا السُّرْجُ الْمُنِيرُ عَلَى السَّدِّ
فَإِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ مَعَاطِفٌ
تُظَلِّلُ أَحْلَامَ الطُّفُولَةِ وَالرَّغَدِ
هُمُ الرُّوحُ، أَجْنِحَةُ السَّمَاءِ إِذَا بَدَتْ
كَأَنَّهُمُ الطُّهْرُ الْمُقَدَّسُ فِي الْحَمْدِ
وَمَا غَابَ نُورُهُمْ، وَإِنْ غَابَتِ الدُّنَا
فَقَدْ كَتَبُوا بِالضَّوْءِ سِفْرًا عَلَى الْعَهْدِ
إِذَا قِيلَ: مَا الْأَرْضُ الَّتِي حَفِظَتْ دَمًا؟
فَقُلْ: هِيَ أُمُّ الْمَجْدِ، تَفْتَحُ كُلَّ سَدِّ
وَإِنْ كَانَ لِلْأَوْطَانِ نَبْضٌ، فَإِنَّهُ مِزَاجُ
دِمَاءِ الْحُرِّ، وَالْعِشْقُ ذُو النَّدِّ
فَلَا شَمْسَ إِلَّا فَوْقَ جُثَّتِهِمْ تُضِيءُ
وَلَا فَجْرَ إِلَّا فِي ضِيَائِهِمُ الْوَحْدِ
وَمَا غَابَ مَنْ فَادَى بِنَفْسِهِ، إِنَّهُ
حَيَاةُ الْأُبَاةِ، السِّرُّ فِي نَبْضِهِ الْوِدِّ
أَيَا أُمَّةَ الْأَحْرَارِ، لَا تَغْفَلِي غَدًا
فَإِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ مَعَاهِدُ الْبَدِّ
هُمُ النُّورُ فِي أَعْيُنِ الْأَطْفَالِ، إِنَّهُمْ
رُسُومُ حُرُوفِ الْمَجْدِ فِي كُلِّ تَعَدُّدِ
إِذَا مَا أَتَى الْقَصْدُ الْعَظِيمُ بِرَحْلِهِ
تَفَتَّحَتِ الْآمَالُ كَالزَّهْرِ فِي الْوَرْدِ
وَلَا تُهْمِلُوا ذِكْرَاهُمْ فِي مَحَافِلٍ
فَهُمْ أُسُسُ التَّارِيخِ فِي كُلِّ تَوْكِيدِ
إِذَا أَفَلَتْ شَمْسُ الْحَيَاةِ، فَإِنَّهُمْ
تَبَدَّوْا ضِيَاءً لَا يَزُولُ إِلَى الْأَبَدِ
فَمَا غَابَتِ الْأَرْوَاحُ عَنْ سِفْرِهِمْ
وَمَا بَاتَ فِي الْأَرْضِ الضَّيَاعُ لِمَنْ يَفْدِي
يُذَكِّرُنَا طَيْفُ الشَّهِيدِ بِأَنَّهُ حَيَاةٌ
تُنِيرُ الطُّرُقَ فِي الظُّلْمَةِ الْجَرْدِ
وَلَا تُغْفِلُوا صَوْتَ الْحَقِيقَةِ إِنَّهُ
صَدَى الشَّهِيدِ الْبَاقِي فِي صَمْتِهِ الْمَجْدِ
أَيَا قَادَةَ الْأَجْيَالِ، كُونُوا عَلَى الْوَفَا
فَإِنَّ نِدَاءَ الْعِزِّ يُرْتَجَلُ بِالرَّشَدِ
وَلَا تَجْزَعُوا إِنْ حَاصَرَتْكُمُ دَاهِيَةٌ
فَفِي دَمِ مَنْ فَادَى جَوَابٌ عَلَى النَّدِّ
إِذَا قِيلَ: مَا الرُّوحُ الَّتِي لَا تَزُولُ؟
فَقُلْ: هِيَ أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عَلَى الْعَهْدِ
أَحَاطُوا بِنَا حِينَ الضَّيَاعِ كَأَنَّهُمْ
بُرُوجُ الثُّرَيَّا فِي سَمَاءِ الْهُدَى الْبُعْدِ
وَمَا غَابَ نُورُ الْمَجْدِ عَنْ سَاحَةِ الْهَوَى
وَلَا انْتَهَتِ الْقِصَّةُ فِي صَفْحَةِ الْبُعْدِ
وَلَا تَخْشَعُوا إِنْ خَانَكُمْ صَبْرُكُمْ، فَفِي
ذِكْرِ الشُّهَدَاءِ بَلْسَمٌ فِي كُلِّ وَجْدِ
أَسِيرُوا عَلَى دَرْبِ الْفِدَاءِ، فَإِنَّهُ
طَرِيقُ الْخُلُودِ، النُّورُ فِي دَرْبِهِ يَهْدِي
فَإِنَّ الشُّهَدَاءَ النُّجُومُ بِمَجْدِهِمْ
يُضِيئُونَ لِلْأَحْرَارِ سِفْرًا بِدُونِ عَدِّ
وَمَا مَاتَ مَنْ قَدْ خَلَّفُوا الْمَجْدَ بَعْدَهُمْ
فَصَارُوا كَشَمْسٍ فِي سَمَاءِ الْهُدَى الْوَحْدِ
أَيَا شَامُ، هَلْ تَذْكُرِينَ كَرَامَةً؟ فَقَدْ
كَانَ مَنْ فَادَى بِكِ السَّدَّ فِي الْوَدِّ
وَلَا زَالَ فِي الْآفَاقِ نُورُ شَهَامَةٍ
يُحَلِّقُ فَوْقَ السُّحْبِ فِي صَوْتِهِ الرَّدِّ
فَإِنْ غَابَتِ الْأَجْسَادُ، بَاتَتْ حُرُوفُهُمْ
تُقَارِبُ بَيْنَ الْعَالَمَيْنِ عَلَى السَّعْدِ
لِكُلِّ شَهِيدٍ رَايَةٌ فِي سَمَائِنَا وَعِطْرُ
دِمَاهُمْ نَبْضُ زَهْرٍ عَلَى الْبُرْدِ
وَلَا تَنْسَ ذِكْرَاهُمْ، فَإِنَّ بِذِكْرِهِمْ
تَعُودُ لَنَا الْأَيَّامُ تَرْفَعُ كُلَّ قَدِّ
فَهُمْ قِصَّةُ التَّارِيخِ، نَسْجُ خُيُوطِهِ
يُجَدِّدُهَا الْأَحْرَارُ فِي كُلِّ أَمْجَدِّ
وَلَا تَغْفَلُوا، إِنَّ السَّمَاءَ تَمُوجُ
بِالشُّهَدَاءِ كَالْأَنْوَارِ فِي زَاهِرِ الْوَعْدِ
وَخَتَمْتُهَا بِالْحُبِّ، إِنَّ حُرُوفَهُمْ
سَتَبْقَى بِنَفْسِ الدَّرْبِ، نَسْرًا بِالْبُرْدِ