قبل أن يصعدَ ظلٌ
للسماوات العتيقهْ
ويحطَّ الصمتُ كالطيرِ على سُورِ الحديقهْ
كانت الريحُ تُصلِّي بينَ أطرافِ النخيل
وترانيمٌ من الشكِّ تخلّتْ عن صداها
وحنينُ القلعةِ السمراءِ يمتدُّ سلامًا في مداها
كانت الشمسُ على الأشياءِ تُلقي ما تبقّى من ظِلالِ المُتعبين
وندى الفجرِ يجسُّ الوردَ والماءُ يُغنِّي في سواقي النائمين
أيقظَ الفلاحَ ديكٌ قبل أنْ يدنوَ ميلادُ الصباحْ
واحتفى بالرُّطَبِ البرحيِّ بستانٌ حزينٌ كان يلهو بالرياح .
واستلذَّ الليلُ بالسُّمارِ والشاي المُحلى بالأغاني
وعيونُ الساهرينَ السودُ مَلأى بالأماني
جلسَ الجدُّ إلى جانب أحفادٍ صغارٍ قُربَ نارِ المَوقدِ
وحكى عن زمنٍ ظلَّ رفيقَه
عندما كانَ صبيًّا
عندما كانَ نخيلُ اللهِ في الأرضِ صديقَه
وتغنَّى قمرُ القريةِ مابينَ الغمام
وعلى غمغمةِ الجدِّ غفا سِربُ الحمام
هدأت آخرُ أمواجِ المواعيدِ القديمهْ
بينَ أحضان الضفاف
واشرأبَّ الماء من عمقِ الجفاف
لم تعد تعوي ذئابُ الموتِ في ليلِ الحقول
فعبرنا صحبةَ الأحلامِ في الفجرِ قطيعًا مطمئنًا بين أنغامِ السهول
حيث كان الحبُّ بستانا من الوردِ
وطُفنا حولَهُ مثل الفراش
حيثُ كنا نبتغي من غيمِنا بعضَ الرشَاش
بعد أن كُنَّا عطاشى
كانت القلعةُ سكرى
حملَ الخمرُ أراضيها وطُفنا
وعدونا في سماءِ اللهِ نجمًا أزليَّا
حيثُ كان الصدقُ في الناس نبيَّا
حيثُ ماتَ الخوفُ في الإنسانِ وابتلت رؤاهُ بالحقيقهْ
كان جدي واحدًا من هولاء
كان طفلًا مثلَنا يسألُ دوماً
ويغني للعصافيرِ الطليقَهْ
نامَ جدي بعدما صارتْ رمادا نارُ ذاك الموقدِ
وصحا البستانُ قبلَ الموعدِ
وتلاشى الجدُّ كالظلِّ مع الفجرِ وقد شقَّ طريقَه
قبل أن تبكي السماء