تجوَّلْتُ في التاريخ أستلهم الذكرى
وطوَّفْتُ في الآفاق استشرفُ الأمْرا
فما هزّني إلا عزائمُ حرةٌ
تهبُّ إلى الأقصى، وتدعو له جهرا
فأكبرتُها تيهاً، وثارت حميَّتي
وقد بصرتْ عيناي من زحفهم قَطْرا
وجيشاً يضم النُّجْبَ من كل دارةٍ
يقودهمُ الإيمان، تحدوهمُ البشرى
وعهدٌ إلى الرحمن في كل عزْمةٍ
لتدحرَه خصماً وتنقذه مسرَى
وقد أجمعوا رأياً حكيماً وهمّةً
فشادوا له المرقى وراموا به الأجرا
ومن حَلَبَ الشهباءِ سارت به المنى
تواكبُه الآلاف ترجو به النصرا
فأنَّى التفتْنا ثَمَّ سيفُ مجاهدٍ
وأنَّى مضينا النصرُ من حولنا يترَى
تُجلِّله الرايات والعزم واحدٌ
وكل يغذُّ السيرَ يحدو إلى الإِسْرا
فيا موكبَ التحرير بوركت ناصراً
لمسجدنا الأقصى تُعيد له الطهرا
وعادت إلينا القدسُ من بعد هجمةٍ
فرنجيَّةٍ تبغي لموطننا الشرّا
دعوها قوافينا تمجِّدُ نصرنا
وتروي لنا الأمجاد ما قد غدا فخرا
فإن خانني التعبير من روعة اللقا
رجَعتُ إلى الأسفار تروي لنا دُرَّا
وتُسمعنا التكبيرَ في كل ساحةٍ
ويشفعُه التهليل، ما يوجب الشكرا
وغنَّتْ سماءَ القدسِ أطيارُها التي
تناءت بها الأحزانُ مذ ذاقتِ الأسْرا
وراحتْ ديار القدس تلقاه منبراً
وتودِعُه الأقصى وتوفي به النذرا
وتُتبعهُ ذِكْراً لفضل مجاهدٍ
تمثله بالأمس في قدسنا حُرّا
فأنعمْ بنورِ الدين أفعالَه التي
تسامى بها جهداً، وأعلى بها قدرا
وجاء صلاح الدين من بعده الفتى
فأرسى لنا مجداً، وخلَّده نصرا
وأكمله الأبطال في إثره الرجا
فعادت إلينا القدس محروسةً دهْرا
فإن عاودتْها اليومَ بالغدر هجمةٌ
فهل نرتضي ذّلاً، ونسترخص المهرا
نبادلُها أرضاً بسلمٍ فما لنا؟
يدغدُغنا وَهْمٌ، ونجْترُّه عُذْرا
وكيف نسوم الأرضَ بالسلم فِرْيَةً
تخرُّ جبال الأرض من هَوْلها نُكرا
وهل أرضنا إلا تراثُ جدودنا
نباهي بهم بَذْلاً، ونسمو بهم فخرا
همُ جاهدوا حتى تُصانَ ديارنا
ولم يُرْخِصوا أرضاً، ولم يتركوا بحرا
فإن نقبلِ التفريطَ بالحق غايةً
فلن يسلمَ الأقصى، ولن نُرجع الصخرا
ولم يعطنا صهيونُ حقّاً بدولةٍ
إذا لم نكنْ نِدّاً نعيد له الكَرّا
فما اغتصب الأعداء منا بغفلةٍ
فلا بدَّ من نيلٍ لمسلوبنا قهْرا
فإن كانت الأولى خرجنا بحسرةٍ
ولم نجنِ بعد الصبر من صلحهم قِشْرا
سلوني ففي التاريخ أكبرُ عِبرةٍ
فقد أُرضعَتْ في المهد أحفادُهم غَدْرا
صبرْنا عليهم منذ يثربَ حقبةً
فلم نلقَ إلا الحقدَ والسُّمَّ والكفرا
لقد حذَّر الصدِّيق من قبلُ منذراً
بأن صغيرَ الأمر يُفضي إلى الكبرى
أصيخوا بني قومي إلى فعله الذي
تداركَ فيه الخطبَ من بعد ما اسْتَشرى
وخوضوا جهاداً صادقاً تدركوا المنى
وإلا تواريْتُم وأصبحتُمُ ذكرى