يا ليتني كنت كالحيوان عيشي من
حشائش الأرض كي أنأى عن المدن
حيث الطبيعة حاكت لي أناملها
من شعر جسمي رداء لا من القطن
فإن طلبت عروساً لا تكلفني
غير المحبة من مهر ومن ثمن
أنام حين سكون الليل يسكرني
وفي الصباح غناء الطير يوقظني
فلا أهم بدين لا ولا وطن
حيث البساطة ديني والفضا وطني
ولا أروم طبيبا حيث لا مرض
إذا انتأى عن هواء البلدة العفن
هناك يرجع لي عقلي الذي عبثت
يد الدروس به في سالف الزمن
هناك يدرك عقلي كل مشكلة
حيث الطبيعة أستاذ يعلمني
تهئ الأرض لي قوتي بلا منن
وليس يعطي الورى شيئاً بلا منن
أني ذهبت أجد مأوى أقيم به
فلا أهم بأمر الدار والسكن
ولا أعود من الصحرا إلى مدن
إلا إذا اشتقت للأرزاء والمحن
آتي المدينة حينا كي أعيد بها
عهد الصديقين من بؤس ومن شجن
في المدن أعرف للصحراء قيمتها
والمرء يعرف قدر البشر في الحزن
لكن أجئ بشكل لا نظير له
تفر منه جميع الناس إن ترني
توارث الخبث أهل المدن عن سلف
كأنما سورها فوق النفاق بني
إن كنت حرا فلا تركن الى وطن
إن المواطن دار الذل والفتن
ترك المدينة يشفي الجسم من علل
قد أزمنت ويصفي الجسم من درن
إن جاءني القيظ فالوادي يظللني
أو يأتني السيل اهرب منه للقنن
حيث الكلام إشارات غنيت بها
عن الدروس وكد الذهن والفطن
لا فكرة الفقر والإثراء تتعبني
أو خيفة الموت والانتقام تزعجني
فالموت إن لم نفكر فيه ليس له
شأن وإن جاء يوما جاء كالوسن
فإن امت مت رغدا ليس يزعجني
نوح وغذيت صحبي الوحش من بدني
لكي أسر رفاقي بعد موتي لا
ان يخبئوني وسط القبر والكفن
فإن بدا لي انسان فافزعني
فررت منه الى غاب ليحرسني
ولست ارتاح وسط الغاب خيفة أن
ينالني غدره يوما فيأسرني
إذ لم أنل من بني الدنيا سوى ضرر
وما انتهى حبهم إلا الى احن
لم يرتق القرد إذ قالوا غدا بشراً
لكنه حُط من عال فصار دني
فالقرد يعمل ما توحيه فطرته
والمرء يعمل ضد العقل والسنن
طبيعة الكون في خلقي لقد غلطت
فلو بأيّة حيوان تبدلني
هل جئت دهري هذا في أواخره
أو أنني في وجودي سابق زمني