أعقدان مرّا أم مئينٌ من العمرِ
لعمريَ قد أُبليتُ من غير ما قبرِ
كأن فؤادي تحته النارُ أُضرمت
تقلبهُ الأيامُ بالعسرِ واليسرِ
وُلِدتُ وأهلي يحملون متاعهم
فحقُّ مثيليْ أن يسيرَ بلا قَرِّ
نأيتُ وفي بعض النوى ثَمّ سلوة
وعوّدتُ نفسي الصبرَ في وحشة البرِّ
وخلفتُ أطلالًا كثيرةَ أدمعٍ
ورافقتُ أطيافَ الأحبةِ في سيري
وما رابني إن سرتُ وحديَ في الفلا
لقاءُ عدوٍّ أو صدامٌ مع الضُمرِ
يقولون صعلوكٌ ولو يعلمون ما
ظفرتُ به صاروا صعالكةَ العصرِ
سقى اللهُ غصنَ الياسمين بجلقٍ
دموعَ مَشوقٍ مدنفٍ موجعِ الصدرِ
أنا يا دمشقُ اليوم أبكي صبابةً
فهل يا ترى تبكينَ مثليْ من الهجرِ
لئن هجّروني يا دمشقُ فلم تزل
إليكِ ابتهالات الهوى أبدَ الدهرِ
فمنذُ افترقنا لم أُنِخْ ظهرَ ناقةٍ
لأكثرَ من عامٍ لأُظعِنَ مِن ظَهرِ
ففي "كَفْرِزَيْتا" ذكرياتٌ من الصبا
وفي "إحسمٍ" شيءٌ من الوجدِ والذكرِ
وفي "كفْرِدريانٍ" أُصَيْحابُ شمسهم
تزيح ظلامَ اليأسِ عن صحوةِ الفكرِ
وفي "سرمدا" عطر يفوح صبابة
و"بابُ الهوى" والله ما زال ذا عطر
وفي "إدلبَ الخضراء" روحيَ علّقت
وفي "حلبَ الشهباء" فكريَ في أسرِ
وفي عقرباتٍ للعلوم منارةٌ
تعلمتُ فيها الدين وازدتُ من شكرِ
وفي "أطمةٍ" وارى التراب أحبتي
فأسقيته دمعي وأودعته بِشري
وزاد من الأحزان بَينُ غزالة
وهبتُ لها قلبي وملّكتُها عمري
وذقت من الآلام ما ذلّ بثُّه
لغير مليك العرش ذي الفضل والستر
فيا رب فاختم بالشهادة سيرتي
إلى جنة فيها لقاءٌ بلا هجرِ