سمعتُ عنه في الحكايا عندما كنتُ صبيّا
وجدّتي تحكي وإخوتي يسائلونْ
«لو كان لي صلابةُ الجناحِ
حدَّةُ البصرْ»
وعندما كبرتْ
ونبتَتْ صبّارةُ الأحزان في الضلوعْ
عرفتُ أنّه يحبُّ البحرَ يعشقُ الصَّحارى
وأنه في القنصِ لا يبارَى
فكان همِّي أن أراهْ
شوقٌ إلى الآفاق خفقةُ النجومِ والقمرْ
وعالمٌ تموتُ في عيونه القيودُ تختفي
في وجهه الحُفَرْ
يؤرِّقُ الفؤادْ
كان صديقي مثلَه وغادرَ الدِّيارْ
وغاب ثم غاب ثم غابْ
وجاء في الجبينِ يلمعُ الغبارْ
وفي العيون آهْ
وصاح عندما رآني بعد قُبلةِ اللقاءْ
أعشقُ الحريَّهْ
وها أنا كما ترى ممزَّقُ الكتفْ
وإنّما
في الصدرِ نَسرٌ عن هواه لا يكفْ
ودائمًا رغم الرياح في سفرْ
ودار صاحبي ليعبرَ الميدانْ
العرباتُ الفارهاتُ تزحمُ المكانْ
نداءُ بائعٍ يرنُّ في الآذانْ
وخفقةُ «النّيون» في الإعلانِ تخطفُ البصرْ
«وفتيةٌ» يصفقّون خلف أنثى تعرضُ الساقيَنْ
وغاب عنّي صاحبي في زحمةِ البشرْ
كأنّما الضباب غطّى وجهَ صاحبي القمرْ
أمّا أنا
فكلَّ ساعةٍ أشاهدُ الصُّورْ
أراه مرسومًا على طوابعِ البريدْ
في دفاترِ التوفير في الشيكاتْ
وخائفًا يقفْ
في قطعِ النَّقد وفي أغلفةِ الدفاترْ
أراه في بطاقتي الشخصيهْ
كأنّه وجهُ صديقٍ مات في سيناءْ
ينكرني،
يَفْرَقُ من وجهي
يريدُ أن يمزّق الصورْ
ما زلت كلَّ ساعةٍ أشاهد الصورهْ
مصلوبةً على جدارِ الصَّمت مقهورهْ
حلمي القديمُ أن أراهْ
محلِّقًا وناشرَ الجناح في شعاعِ شمسِنا الفتيّهْ
ولو يمزِّقُ الضلوعَ
يشرب الدماءَ
يعلك الأشلاءْ
إن لم يُجلجل صوتُه في ضجَّة المدينةِ الخرساءْ
أفرُّ من شوقي إليهِ
من عاري
وأسكن الصحراءْ