حَيِّ الْمَنازِلَ مِنْ صَحْراءِ إِمَّرَةٍ
وَحَيْثُ كانَتْ سَواقِي مَنْعِجٍ شُعَبا
كانَتْ تَحُلُّ بِها حَسْناءُ فَاغْتَرَبَتْ
بِها الدِّيارُ وَرَثَّ الْحَبْلُ فَانْجَذَبا
لِلَّهِ عَيْنِيَ مِنْ عَيْنٍ لَقَدْ طَلَبَتْ
ما لَمْ يَكُنْ دانِياً مِنْها وَلا سَقَبا
نَظَرْتُ يَوْمَ سُواجٍ حِينَ هَيَّجَنِي
صَحْبِي فَكَلَّفْتُ عَيْنِي نَظْرَةً عَجَبا
إِلَى حُمُولٍ كَدَوْحِ الدَّوْمِ غادِيَةٍ
قَدْ نَكَّبَتْ رَمَماً وَاسْتَقْبَلَتْ رَبَبا
وَيْبٍ بِها نَظْرَةً لَيْسَتْ بِراجِعَةٍ
شَيْئاً وَلَكِنَّها قَدْ هَيَّجَتْ طَرَبا
وَفِي الْهَوادِجِ غِزْلانٌ مُنَعَّمَةٌ
تَحْكِي الزَّبَرْجَدَ وَالْياقُوتَ وَالذَّهَبا
إِمَّا تَرَيْنِيَ أَمْسَى الْحِلْمُ راجَعَنِي
حِلْمُ الْمَشِيبِ وَأَمْسَى الْجَهْلُ قَدْ لَغَبا
فَلَنْ تَرَيْنِيَ أَنْمِي السُّوءَ أَسْمَعُهُ
إِنْ جاهِلا قَوْمِيَ اسْتَبَّا أَوِ احْتَرَبا
وَأَحْذَرُ اللُّؤْمَ عِنْدَ الْأَمْرِ أَحْضُرُهُ
وَلا أَلُومُ عَلَى شَيْءٍ إِذا وَجَبا
وَقَدْ أُصاحِبُ ضَيْفَ الْهَمِّ يَطْرُقُنِي
بِالْعِيسِ تَخْتَبُّ كِسْرَيْ لَيْلِها خَبَبا
عِيدِيَّةٌ عُوِّدَتْ أَنْ كُلَّما قَرَبَتْ
لاقَتْ قَوارِبَ مِنْ كُدْرِ الْقَطا عُصَبا
تَخالُ هامَتَها قَبْراً بِرابِيَةٍ
وَما أَمامَ حِجاجَيْ عَيْنِها نُصُبا
مِنَ الْمَهارَى عَبَنَّاةٌ مُرَسَّلَةٌ
فَلا تَرَى حَذَذاً فِيها ولا زَبَبا
مِنَ الْمَواتِحِ بِالْأَيْدِي إِذا جَعَلَتْ
لَوامِعُ الْآلِ تَغْشَى الْقُورَ وَالْحَدَبا
كَأَنَّها بَعْدَ خِمْسِ الْقَوْمِ قارِبَةٌ
تَعْلُو هَدُوداً إِذا ما أَعْنَقَتْ صَبَبا
تَخالُ فِيها إِذا اسْتَدْبَرْتَها شَنَجاً
وَفِي يَدَيْها إِذا اسْتَقْبَلْتَها حَدَبا
تَغْلِي وَيَخْبَأُ مِنْها السَّوْطَ راكِبُها
كَما غَلا مِرْجَلُ الطَّبَّاخِ إِذْ لَهَبا
حَتَّى إِذا ساءَ لَوْنُ الْعِيسِ وَانْتَكَثَتْ
شَبَّهْتَ فِي نِسْعَتَيْها فارِداً شَبَبا
باتَتْ لَهُ دِيمَةٌ بِالرَّمْلِ دائِمَةٌ
فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمادَى واصَلَتْ رَجَبا
فَباتَ يَحْفِرُ أَرْطاةً وَيَرْكَبُها
يُغْشِي جَوانِبَها الرَّوْقَيْنِ وَالرُّكَبا
حَتَّى إِذا ما تَجَلَّى طُولُ لَيْلَتِهِ
عَنْهُ وَلاحَ سِراجُ الصُّبْحِ فَالْتَهَبا
وَراعَهُ صَوْتُ قَنَّاصٍ بِعَقْوَتِهِ
مُقَلَّدِينَ الضِّراءَ الْقِدَّ وَالْعَقَبا
فَانْحازَ لا آمِناً مِنْ شَرِّ نَبْأَتِهِمْ
يَعْلُو الْعَدابَ وَلا مُسْتَمْعِناً هَرَبا
حَتَّى لَحِقْنَ وَقَدْ مالَ الْأَمِيلُ بِهِ
فَكَرَّ بِالْخِلِّ إِذْ أَدْرَكْنَهُ غَضَبا
مُجِرٌّ فِي حَدِّ رَوْقَيْهِ سَوابِقُها
وَلا يَمَسُّ لِقِرْنٍ جَرَّهُ سَلَبا
حَتَّى إِذا ذادَها عَنْهُ وَقَطَّعَها
طَعْنٌ يُصِيبُ بِهِ الْحَيَّاتِ وَالْقَصَبا
وَلَّى سَرِيعاً مُدِلّاً غَيْرَ مُكْتَرِثٍ
يَعْلُو الْعَدابَ وَرَوْقاهُ قَدِ اخْتَضَبا
أَقْبَلْتُ تَرْفَعُنِي أَرْضٌ وَتَخْفِضُنِي
إِلَى الْأَغَرِّ جَبِيناً وَالْأَغَرِّ أَبا
إِلَى سُلَيْمانَ خَيْرِ النَّاسِ عارِفَةً
وَأَسْرَعِ النَّاسِ إِدْراكاً لِما طَلَبا