هو البحرُ يرَى كلَّ شيء،
أبي في سمرته العذبةِ
ينسجُ من كفَّيه بلادًا
وشموسًا،
وحمائمَ لو تشدو تخضرُّ قِفار.
كم يشبهُ نايًا مغزلُه الأسمر!
يغزلُ ألحانًا، وطقوسًا، وحكايا،
ويطيِّرُها عند الفجرِ..
قصائدَ تعلو فوقَ التأويل
فتحطُّ على قلبِ صبيَّته النشوَى..
بصباباتِ الموجِ الغارقِ في لجِّ العينين.
ورأَى أمِّي الغضَّةَ فَجْرًا..
تنشرُ فوق السّطحِ بساتين رَهَافتها،
وملاءاتِ البهجةِ،
وتضوعُ الحنطة من مسكِ يدَيْها،
فتغازلُ تنُّورًا ترقصُ فيه الأرغفةُ
على وقعِ الأيَّامِ العَطشَى.
كنتُ – وقلبي يغزلُ بحرًا
وصغارًا ينتظرون،
فتحمرُّ وجوهٌ من صهدِ اللهفةِ،
أو من لفحِ البحرِ الهائمِ في حضنِ النيلْ
كان إذا فارَ التنُّورُ وفاضَ الصبرُ
امتدَّتْ مائدةٌ تحكي
عن بركةِ لمَّتِنا الحُلوَة.
تأتي جارتُنا المَجلُوَّةُ..
وتُنادِي..
وبدفءِ ثمانيةِ عقودٍ وازدادوا عقدا..
ستردُّ الجدَّة
تنسكِبُ الجارةُ شكوىً بين يَديها.
هذي جدَّتي ال تبسطُ من هدأةِ عينيها..
فُرُشًا وملاذًا للغاوين
تلضمُ في عُقدِ حكايتها كلَّ نساءِ الحيِّ،
وتمنحُهنَّ صُحُونَ الحِكمةِ
وحصادَ الأيَّأم.