هَلْ عَادَ قَلْبَكَ مِنْ مَاوِيَّةَ الطَّرَبُ
بَعْدَ الْهُدُوِّ فَدَمْعُ الْعَيْنِ يَنْسَكِبُ
أَمْ هَيَّجَتْكَ دِيَارُ الْحَيِّ إِذْ ظَعَنُوا
عَنْهَا كَأَنْ بِعَمَايَا رَسْمِهَا كُتُبُ
بَلْ طَائِفٌ هَاجَ مِنَّا الشَّوْقَ فَابْتَدَرَتْ
لَهُ الْمَدَامِعُ لاَ عَانٍ وَلاَ صَقِبُ
حَوْلاَنِ مَرَّا جَمِيعًا مِنْهُ لَمْ أَرَهَا
مُجَرَّمَانِ مَعًا يَحْدُوهُمَا رَجَبُ
قَدْ كُنْتُ أَصْطَادُ مَنْ أَرْمِي فَأُقْصِدُهُ
وَلَيْسَ يَصْطَادُنِي ذُو الْحِيلَةِ الأَرِبُ
قَطَّاعُ وَاصِلَةٍ وَصَّالُ قَاطِعَةٍ
وَهَّابُ أَوْهِبَةٍ لِلْخَيْرِ مُحْتَسِبُ
طَعَّانُ مَقْتَلَةٍ وَهَّابُ مُثْقَلَةٍ
شَعَّالُ مُشْعَلَةٍ شَعْوَاءَ تَلْتَهِبُ
جَوَّابُ طَامِسَةٍ طَلاَّبُ آنِسَةٍ
غَرَّاءَ مِنْ دُونِهَا الأَسْتَارُ وَالْحُجُبُ
حَيِّ الدِّيَارَ الَّتِي أَبْلَى مَعَالِمَهَا
عَوَاصِفُ الصَّيْفِ بِالْخَرْجَاءِ وَالْحِقَبُ
جَرَّ الزَّمَانُ عَلَيْهَا ذَيْلَ حُلَّتِهِ
وَفِي الزَّمَانِ وَفِي تَصْرِيفِهِ عَجَبُ
كَانَ الْجَمِيعُ بِهَا حِينًا فَفَرَّقَهُمْ
دَهْرٌ يُشَتِّتُ أَهْلَ الوُدِّ مُنْشَعِبُ
وَقَدْ أَزُورُ بِهَا نُعْمًا وَأُخْبِرُهَا
أَنِّي بِهَا وَاجِدٌ مُسْتَهْلَكٌ نَصِبُ
تَنْأَى بِهَا الدَّارُ حِينًا ثُمَّ تُصْقِبُهَا
مَرًّا فَلَيْسَتْ لِقُرْبِ الدَّارِ تَقْتَرِبُ
وَآجِنٍ مَاؤُهُ رِيشُ الْحَمَامِ بِهِ
كَأَنَّ أَشْبَاحَ حَوْلِيَّاتِهِ الْعُطُبُ
فِيهِ مِنَ الْوَحْشِ أَغْفَالٌ مُعَطَّلَةٌ
سِيَّانِ مَرْتَعُهَا التَّوْثِيلُ وَالنَّجَبُ
وَرَدْتُهُ مَوْهِنًا وَالنَّسْرُ مُرْتَفِعٌ
كَأَنَّهُ نَيِّرًا عَيْنٌ لَهَا شُهُبُ
أَرْسَلْتُ دَلْوِيَ فِي حَافَاتِ مُظْلِمَةٍ
جَوْفَاءَ يَقْصُرُ عَنْ مَرْجُوِّهَا السَّبَبُ
لَيْلًا فَجَاءَتْ بِمَاءٍ مِنْ مُعَوَّرَةٍ
مَرْتٍ عَلَيْهِ حَدِيدُ النَّابِ مُعْتَصِبُ
أَعْمَى أَصَمُّ لَهُ رَقْشَاءُ تَأْلَفُهُ
مَا إِنْ لَهُ غَيْرَ إِزْرَاءٍ بِهِ نَشَبُ
رَأَى الْخَزَايَةَ أَنْ تُجْتَرَّ مُفْعَمَةً
دَلْوِي فَجَاءَ عَلَى أَعْوَادِهَا يَثِبُ
غَضْبَانَ فِي نَابِهِ الْحَوْبَاءُ عَاجِلَةً
كَالْحَبْلِ أَسْوَدَ يَعْلُو لَوْنَهُ شَهَبُ
أَهْوَيْتُ سَوْطِي لَهُ لَمَّا بَرَزْتُ بِهِ
فَخَرَّ فَوْقَ أَتِيِّ الْحَوْضِ يَضْطَرِبُ
فِي نَفْنَفٍ طَامِسِ الأَعْلاَمِ لَيْسَ بِهِ
إِلاَّ ذُؤَالَةُ طَاوٍ كَشْحُهُ جُنُبُ
بِيدٌ مُسَهَّنَةٌ مَرْتٌ مُخَفَّقَةٌ
يَهْمَاءُ حِرْبَاؤُهَا لِلشَّمْسِ مُنْتَصِبُ
وَقَدْ مَحَا الْجَدْبُ عَنْهَا كُلَّ سَاكِنِهَا
فَمَا بِأَجْوَازِهَا عُجْمٌ وَلاَ عَرَبُ
مَا يَأْنَسُ الْقَوْمُ فِيهَا مِنْ مَخَافَتِهَا
وَالْهَوْلِ فِيهَا وَلَا الْمَهْرِيَّةُ النُّجُبُ
قَطَعْتُهَا بِعَلَنْدَاةٍ عُذَافِرَةٍ
كَأَنَّهَا فَارِدٌ فِي عَانَةٍ صَخِبُ
جَأْبٌ أَضَرَّ بِهِ التَّعْدَاءُ صَيْفَتَهُ
حَتَّى دَعَتْهُ عُيُونٌ مَاؤُهَا شُعَبُ
فَآلَ يَضْرِبُ رَأْسَ الأَمْرِ ضَحْوَتَهُ
بِالسَّفْحِ أَيْنَ إِذَا أَمْسَى بِهَا الْقَرَبُ
عَيْنًا بِعَيْنٍ إِلَيْهَا مَا يُحَوِّلُهَا
عَنْهَا وَعَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَرْتَقِبُ
وَهْوَ إِذَا لَبِسَ الظَّلْمَاءَ قَرَّبَهَا
يَعْلُو الْقَرَادِيدَ أَدْنَى سَيْرِهِ الخَبَبُ
يَهْوِينَ مِنْهُ إِذَا مَا لَجَّ فِي سَنَنٍ
وَلَيْسَ مَانِعَهَا مِنْ شَأْوِهِ الْهَرَبُ
حَتَّى طَوَيْنَ عُيُونَ الْمَاءِ بَارِزَةً
كَأَنَّمَا فِي مَجَارِي مَائِهَا الذَّهَبُ
وَأَدْعَجُ الْعَيْنِ فِيهَا لاَطِئٌ طَمِرٌ
مَا إِنْ لَهُ غَيْرُ مَا يَصْطَادُ مُكْتَسَبُ
فِي كَفِّهِ نَبْعَةٌ صَفْرَاءُ صَافِيَةٌ
وَمُرْهَفَاتٌ عَلَى أَسْنَاخِهَا الْعَقَبُ
أَهْوَى لَهَا حِينَ وَلَّاهُ مَيَاسِرَهُ
سَهْمًا فَأَخْطأَهُ فِي مَشْيِهِ الذَّنَبُ
أَذَاكَ أَمْ أَقْرَعٌ صَعْلٌ غَدَا فَزِعًا
يَعْلُو الْيَفَاعَ هِجَفٌّ جَوْفُهُ خَرِبُ
دَامِي الْوَظِيفَيْنِ فِي الْبَيْدَاءِ تُبْصِرُهُ
كَأَنَّهُ رَجُلٌ لَهْفَانُ مُسْتَلَبُ
هَيْقٌ غَدَا مِنْ جُنُوبِ الْجِزْعِ مُعْتَمِدًا
لِمُحْثَلاَتٍ عَلَى أَثْبَاجِهَا زَغَبُ
فَذَاكَ أَمْ لَهَقٌ هَاجَ الضِّرَاءُ بِهِ
ذُو وَبْرَةٍ آلِفٌ لِلْقَوْدِ مُجْتَذِبُ
يَبْغِي بِهِنَّ أَخُو بَيْدَاءَ عَوَّدَهَا
مُشَمِّرٌ عَنْ وَظِيفِ السَّاقِ مُنْتَقِبُ
حَتَّى إِذَا قَالَ نَالَتْهُ سَوَابِقُهَا
غُضْفٌ جَوَاهِلُ فِي أَشْعَارِهَا زَبَبُ
أَنْحَى عَلَيْهِنَّ طَعْنًا فِي جَوَاشِنِهَا
بِمُسْتَقِيمَيْنِ فِي رَأْسَيْهِمَا ذَرَبُ
فَانْصَعْنَ عَنْهُ وَعَنْ قَعْصَاءَ أَثْبَتَهَا
مِنْهُ بِنَافِذَةٍ نَجْلاَءَ تَنْثَعِبُ