جاءَ أحدُهُمْ إلى المدينةِ قال:
أفَقْتُ من ليلٍ طويلْ
مثلَ برقِ مزنةٍ بلا مطرِ
نومُ ملايينِ السنينَ
في عالمِ الغيبِ العميقْ
أُقلِّبُ الطرفَ فلا أرى لي موضعاً
وليسَ فيهم من سامرٍ أو سمر
سألتُ: من أنا؟ كيف جئتُ؟
ما خُيِّرتُ، بل مأمورُ ومؤتمرْ
وهل هناك ليَّ من مثيلْ؟
لماذا أنا هنا؟ ثم أينَ المستقرْ؟
أين أسلافي في غابرِ الأيامِ؟
هل حقاً وُلِدُوا وعُمِّدوا
وارتحلوا قبلَ أن يَقْضُوا الوَطَرْ؟
هل أرتحِلُ مثلَهُمْ في قادمِ الأيامِ؟
يا للهوانِ، يا لَلأسى
يا ويلَ نفسي من ندمٍ يجلدُ البشرْ
النجمُ يأفلُ بعدَ أن يَشِيخَ
ثم يَلفُّه النسيانُ
يَلفُهُ العدمْ
هل يَنفعُ الندمُ؟
هل تَندَمُ النجومُ لأنها زَيَّنَتِ المساءَ
ثم للأبدِ يَلفُها المغيبْ؟
أم خُلِقَ الندمُ ليجلدَ البشرْ؟
إنهُ الشعورُ بالخطيئةِ والذنوبْ
إنه الندمْ
أينَ كنتُ في تلكَ الملايينِ الغابرة؟
كنتُ وهلةً عابرهْ
بلا خوفٍ، بلا ندمْ
لم أُذكَرْ، كنتُ عدما
إنما نومةُ خلدٍ هانئهْ
أُيقِظُوني على صراخِ بني البشرْ
يُعذِّبُهُمْ جلادٌ اسمُهُ القدرْ
جلَّادٌ هو الذي جاءَ بِهِمْ
يجلدُهُمْ على مدِّ السنينْ
وما مدَّ البصرْ
أسألُ الجلادَ: لماذا أنا؟
أعطني فرصةً أخرى
أريدُ العودَ إلى ذلكَ الليلِ الطويلِ المُندثِرْ
تثاءبَ الجلادُ في وجهي
كنظرةِ وغدٍ مُحتقرْ
كأنهُ يقولُ: بلى، ولكنْ بعدَ
أن ننتقِمَ منكَ ونقضي الوطرْ
يا لهفَ نفسي على نفسي
وخوفي مما أخفاهُ الدهرْ
أرى في دهاليزِ المدينةِ
أسرابَ بلوى تدورُ
في جماجمِ البشرْ
ملايينُ أُسِروا للقدرْ
والموتُ يُنادي:
أنا جاني خبرِ رؤوسِكُمْ
أينَ المفرْ؟
يجلدُهُمْ كلَّ يومٍ بالضجرْ
يُوهِمُهُمْ أن المزيدَ هناكْ
خلفَ أسوارِ المدينةِ
فوقَ أمواجِ البحرْ
أهرعُ وأستزيدُ
فما يُدرِيني ما يُحدِثُ الدهرْ؟
يُبدِّدُ كلَّ ما جَنَى بنو البشرْ
لن يهبَ الدهرُ سوى الخوفِ والندمْ
لن يهبَ إلا الضجرْ
رجوتُهُ أن أُغيثَ إخوتي بني البشرْ
أمدُّ يدَ العونِ لمحتاجٍ مفتقرْ
قال: إنَّ ذاكَ هو الندمْ
حذارِ، ما عليكَ إلا سوءُ الظنِّ
فهو من حَسُنَ الفِطَنْ
الجميعُ أضدادُ الجميعِ
في صراعٍ محتدمْ
ما لدى بني البشرْ
سوى المكائدِ والفِتَنْ
واستغاثتي باللهِ أن يُجَنِّبَني المِحَنْ
بِناءٌ يُشادُ ثم عمداً ينهدمْ
يا وَيْحَ نفسي
كلُّ آمالي وأفكاري
وقناعتي لم تعُدْ سوى وهمْ
تبدَّدَتْ
ولم تَعُدْ سوى وهمْ