نفسٌ سَمَتْ بِكَ ما بين الورى عِظَما
ضاقتْ بها الأرضُ فاجتازت سمًا فسَما
ضاقتْ بصدرٍ عظيمٍ ضمّها سَعةً
فيهِ وضمَّ إليها الهمَّ والهمَما
فاضتْ لتعتاضَ عن ضِيق المدى سَعةً
وكي تفارق من آلامها السَّقَما
لم تُلْفِ بعد حِماها منكَ مُتَّسَعًا
لها سوى رحمة الباري فسيحَ حِمى
أنعاك حزنًا لنادٍ كنت بهجتَه
وكنت عِقْدًا بزاهي صدره انتظما
أضحى وقد غبتَ عنه موحشًا عَطِلاً
وإن تحلَّى بأهل الفضل وازدحما
ساد الوجومُ على أكتافه رَهَبًا
وفاض حزنًا وغصَّتْ ساحُه ألَما
يكاد يفصِحُ بالآلام قاسيةً
جَمادُهُ وتفيضُ العينُ منه دَما
في كلِّ بضعة أيّامٍ له عَلَمٌ
طوعًا لأمر المنايا يقتفي علما
أنعاكَ للهِمَّة الشَّماءِ والخُلُقِ ال
سَّامي وللعِفَّةِ البيضا يدًا وفما
وللرّجاحةِ في نهجٍ نهجتَ به
وللنزاهة في نفس سمتْ شَمَما
أنعاكَ للصّفوة الأمجادِ يثكلهم
بك القضاءُ على رغمٍ بما حكما
وَفَوْا وآسَوْكَ حتى لو يتاحُ لهم
لضاجعوا مثلك الأحجار والرُّجما
ما غمَّضت عينُ فردٍ منهمُ سِنَةً
إلا انتُقِشتَ له في عينه حلُما
الله أكبرُ ما أوفاك من رجلٍ!
ترعى الأخوة بعد الموت والذِّمما
تزور كلَّ أخي وُدٍّ برقدته
لترفع الحزنَ عن أحشاهُ مبتسما
فتستمرّان في أنسٍ وفي مرحٍ
حتى كأنَّ الردى ما حال بينكما
أنعاكَ حزنًا لأمٍّ كنتَ سُلوتها
عمّا إليها من الأحزان قد رُسِما
كيف استطاعت نَواكَ اليومَ راغمةً
ولم تكن قبلُ تسطيع النوى رَغَما
وكان جُلُّ مناها أن تُهيل بكف
يك الترابَ على جثمانها برِما
وأن تسير وقورًا في جنازتها
وأن تقيم عليها مأتمًا وجِما
عوّدتَها البرَّ حتى أنها طمِعَتْ
بأن تبَرَّ بها حيّاً ومُخترَما
آلت عليكَ بوجدِ الأم ثاكلةً
وبالرّضاع الذي غذّتكَه قُسَما
بأن تعود ولو يومًا لرؤيتها
حتى توَدّعَ منك المجدَ والكرَما