تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٤٩ بيت

المتفرقات

كانَ جدِّي

يرى: أنَّ أوَّلَ من يهبطونَ همُ الأنبياء

هم الفاتحونَ

هم الحاملونَ إلى الأرضِ خيرَ السماء

هم السابحونَ على ريشةٍ من غمام

وكانَ يرى:

أنَّ آخرَ من يصعدونَ همُ الأشقياء

هم القابضونَ على حِفنةٍ من بقايا المجازِ

وفيهُمْ من الموتِ ما في الحياةِ

من الخوفِ والقتلِ

والجوعِ والفقرِ

والشّعرِ والحبِّ

والصبرِ والكبرياء

هم المثقلونَ بضوءِ النجومِ

هم المنهكونَ من الشرِّ

والعالقونَ بأوزارهمْ في الكلام

كانَ جدّي نبيّاً

وكانَ يرى:

أنّ يوماً من الحبِّ يكفي

لعمرٍ على الأرضِ تحتَ الحقيقةِ

أو أنّ سقفاً من السَّعفِ

سوفَ يُذيبُ المسافةَ بينَ السماءِ وبينَ المقامِ

وأنّ ملاكاً من المستحيلِ سيأتي

ليشتقَ صدرَ المدينةِ

كي يسكبَ اللُّطفَ فيها

وكي ينزِعَ الخوف عنها

رويداً رويداً

ويغسِلَ صَلْصَالَ أرواحِنا بالسّكينةِ

ثمّ يقولُ:

هنا كانَ شيخٌ يربي المسابِحَ والصلواتِ

هنا كانَ يرعى الزّمانَ المكانُ

ويلعبُ طفلٌ

بما مكّنتْهُ يداهُ وأقدامُهُ من تسلُّقِ أحلامِهُ

أو بما ألهمتْهُ عصافيرُهُ أنْ يطيرَ

وتملأُ أصواتُها يومَهُ بالأناشيدِ والقبَّراتِ

وما حمّلَتْهُ الأراجيحُ

من هدْهدَاتٍ

ومن أُحجياتٍ

إلى أنْ ينام

كأنَّ الكواليسَ كانتْ تسيرُ بنفسِ اتجاهِ الفوانيسِ

حينَ يعودَ الجميعُ

وقبلَ مجيءِ الكوابيسِ

قاموا بسدِّ النوافذِ

واستسلموا للظَّلامِ

ولكنَّ جدَّي الّذي كانَ يصحو قبيلَ الأذانِ بصمتٍ

ويقطعُ مِيلاً بمصباحِهِ للصّلاةِ

تأخَّرَ في سجدةِ الوتْرِ حتَّى غَفَا

دونَ أنْ يُخبرَ الآخرينَ كعادتِهِ أنّهُ ذاهبٌ

واختفي في سلام..