دار عليها ميسم من القدمْ
حجت على أول خفّ وقدمْ
مهد الهدى في الأولين ركنها
وحصنه في الآخرين صحنها
تلك جباه الرُّسل في ترابها
وخدُّ إبراهيم في محرابها
غنيةٌ عما كساها أسعد
في الدهر وهو بالثناء أسعد
وكم جلاها في اليماني المسبل
من قبلت منه ومن لم تقْبَلِ
لا تلمسنّ وشيها ضريرا
رب عروسٍ تلعن الحريرا
تواضعت بين شعاب الوادي
لم تتخذ تبذخ الأطواد
لم تبن بالصفاح والصوان
ولا علت تعاليَ الإيوان
لا يد خوفو أرهقت فيها البشر
ولا سليمان لها الجنّ حشر
بل صنع شيخ مقبل مزاول
أعِيْنَ بابن يافعٍ مناول
قد رفعاها حجراً فوق حجر
ووضعا فيها على اليُمْن الحجر
الله يوحي والأمين يشهد
وتخشع الأرض ويعلو المعهد
حتى تجلت قبة الإيمان
ممدودة الظل على الزمان
وركنها كأمس في أم القرى
تطوى القباب والقصور والقرى
دعائم من خشيةٍ وتقوى
على تطاول الزمان تقوى
وما بنى الحق له الثبوت
وما بنى الباطل عنكبوت
تقبل الله من الحواري
واختص بالبيت وبالجوار
واختار من عباده قبيلا
للبيت يهدونهمو السبيلا
أولو الاله الكرماء عهدا
النازلو البيت العتيق مهدا
الراضعوا زمزم في الهواجر
وهي تدرّ من بنان هاجر
غرّة آبائهم الذبيحُ
والأمهات جرهمُ الصبيحُ
أبناء إسماعيل حول بكّه
تضوعت منهم شعاب مكه
انتشروا قبائلا على الزمن
ملء الحجاز والشآم واليمن
بدوٌ بكل نشزٍ وقاع
وحضرٌ في عامر البقاع
تنقلت فيهم ديانات الأول
تنقّل الأيام فيهم والدّول
والدّين بين القدماء عدوى
يقطع أجواز القفار عدوا
نار المجوس وجدت مجازا
وابن سنانٍ أنقذ الحجازا
بقية تؤمن بالجليل
يتبعون ملّة الخليل
وعصبة على هدى الأحبار
أهل كتاب يعبدون الباري
آل ابن عمران أو ابن مريما
فمن بهاتيك الشعاب خيّما
وفرقةٌ دهريةٌ جحاد
عن كل دينٍ لهمو إلحاد
وآخرون افتتنوا بالنار
أو سجدوا للكوكب المنار
أو ألهموا ما نحتوا من الحجر
أو عبدوا ما استنبتوا من الشجر
وغيرهم بالحيوان دانا
وقدّس الأرواح و الأبدانا
كلّ من الحيرة و الضلاله
يعشو الى القوة و الجلاله
قد هجروا الشمس الى الأياة
وجاوزوا المحيي الى الحياة
وبلبلت ألسنَهم أسماءُ
فكثرت في حبها الأسماءُ
مكة دار الملك والبيت الملك
تمسي الوفود في سراها تهتلك
واتفقوا في الحب و التجله
على اختلاف مذهب ومله
يجمعهم من كل سهل وجبل
ضوابح الخيل روازح الإبل
يسدن ساداتهم قبابه
ويحجب الصيد السراة بابه
وهاشم السّحب سقاة الوفد
الغامرون غيرهم بالرّفد
دار لأقوام مجاورينا
ومنسك طهر لآخرينا
وموسم السوم والاكتساب
وندوة النداء بالأنساب
ومنبر حفت به القبائل
إياد من أعواده ووائل
قس في النّهى قسا الى سقراط
يتزن القيراط بالقيراط
كان مسيحيا وكان فاضلا
وكان عن حقيقة مناضلا
محمد من ناقلي عظاته
والصاحب الصديق من رواته
وحرم الآداب والأخلاق
وكيف لا وهو حمى الخلاق
لا ينطق الهجر به والإفك
ولا يحلّ للدماء سفك
ومعبد مشترك مشاع
كل العبادات به مشاع
أعجب منه لم ير الأنام
يعبد فيه الله والأصنام
فالبيتُ حالي الجنبات عاطلُ
يجاور الحق عليه الباطلُ
يُحَجُّ للبر وللخلال
وتارة لله ذي الجلال
كلّ فريق حول ما أحبّا
وكل قوم يعبدون ربّا
تسمُّحٌ للعرب القروم
لم يُلفَ في الفرس ولا في الروم
سقراط لو جاورهم معافى
لم يذق السجن ولا الزّعافا