تخطَّ إلى المحتوى

يا نفس هل من عودة ومآب

غير معروف

٢٨ بيت

المتفرقات

يا نفسُ هل مِن عودةٍ ومآبِ

من قبل طيِّ صحيفتي و كتابي

مالي أراكِ بظلمةٍ ومتاهةٍ

تستعذبينَ مَشَقَّتِي وعذابي

زَحَفَت جيوشُ الشَّيبِ زَحفاً فَاعتَلَت

عَرشَ الفؤادِ تَدُكُّ صَرحَ شبابي

و الأربعونَ تُذيعُ سِرّاً ، لمْ أَكُن

مِن قَبْلِها أدخلتهُ بحسابي

هذا الشبابُ الغضُّ راحَ زَمَانُهُ

وَ الدَّهرُ كشَّر غاضباً عن نابِ

وانقَضَّت الدُّنيا على طُلاّبِها

بزخارفٍ براقةٍ و ثيابِ

فسقتهمُ لما تَنَاسَوْا غَدرَها

كأساً من الآلامِ و الأوصابِ

كم أنشَبَت أظفارَها بِلحومِهِم

فاستسلموا كفريسةٍ لعُقابِ

وَلَكم هَوَت بالمُولَعينَ بسحرها

مِن سامقاتٍ في السَّما لترابِ

ولكم تمنَّاهَا أخو الدنيا ، فَلَم

يظفر طوالَ حياتِهِ بِطِلابِ

أعيتهُ ركضاً خلفها ورَمَت بِهِ

ظَمِئاً ، كمن أعيتهُ خلف سرابِ

لا تدهشي يا نفسُ لا تتعجبي

لا تنظري لي نظرةَ استغرابِ

هذي هي الدنيا ، ألم تتعلمي ؟

أم أنتِ ممن سفَّهوا أسبابي ؟

فتشدَّقوا بالقولِ أنِّي يائسٌ

أبصرتُها من أضيقِ الأثقابِ

وبأنني لما زهدتُ أطايبي

أوصدتُ في وجه الدُّنا أبوابي

وحبستُ نفسي في قيودِ تَغَرُّبي

و زجرتُها أن بَادَرَت بعتابي

كَلا َّ، فلستُ من الذين توهموا

زوراً ، و لكن من أولي الألبابِ

والمرءُ إن أعطاهُ ربي حكمةً

كانت كبدرٍ ساطعٍ خلاّبِ

يسبي العقولَ بهاؤهُ ، فيزينُها

كالوشيِ يُبدي زينةَ الأثوابِ

هذي هيَ الدنيا كما أبصرتُها

مرَّت أمام العين مرَّ سحابِ

حدَّقتُ فيها ناظريَّ ، فلم أجد

إلا ذئاباً أَوْقَعَت بذئابِ

و الكلُّ فيها شاخِصٌ مُتَرَبِصٌ

بقواطعٍ مسلولةٍ و حِرابِ

و رأيتُ خلقاً يلهثون وراءها

فأنَختُ في وسَطِ الطريقِ رِكابي

وعلمتُ أنَّ العمرَ فيها لحظةٌ

قد تنقضي في جيئَةٍ و ذَهابِ

و الموتُ آتٍ لا يُفَرِّقُ سيفُهُ

بين الصبيِّ و ذلك المُتَصابي

فأخذتُ حِذري بالرجوع إلى الذي

خَلَقَ الدُّنا، أرجو قبولَ متابي

فَوَجَدتُهُ ربّاً غفوراً راحِماً

أنعم بِهِ من غافِرٍ توّابِ

أنَّبتُ نفسي ، لُمتُها ، وبَّختُها

أن لم يكن من قبل ذاكَ إيابي