الساعةُ الرابعةُ فجرا...
حين كان الصباح ما يزال يبحثُ عن وجهِه في جيبِ الليل
الوقتُ يخلعُ معطفَه ويعلِّقُه على ضلعِ الغيم
العابرون يفتحون أفواههم،
لا ليتنفَّسوا... بل لئلّا تسقطَ السماءُ داخل رؤوسهم
والأرضُ تجرِّبُ قدمًا جديدة،
والشوارعُ تبدِّلُ عظامَها قبل أن يستيقظَ الإسفلت
وأنا...
أجمعُ ما يتساقطُ من جيوبِ الغياب، أخبِّئُ نبضًا نسيَهُ قلبٌ ميتٌ داخلَ معطفِ الريح،
وأقولُ للفراغ: لا تكبرْ...
فأنا ما زلتُ أحبُّكَ أكثرَ من الخراب.
الساعةُ الرابعةُ فجرا...
والضوءُ لم يتعلَّم بعد كيف ينطقُ النهار
الصباحُ ليس ضوءًا...
إنَّه الحيوان الأخير الذي يلعقُ جراحَ الليل قبل ذبحه،
. الشمسُ تتثاءب فتسقطُ قارَّةٌ كاملةٌ من فمها
العصافيرُ تستعير أجنحةً من ذاكرةِ الأشجار، والريحُ تكتبُ وصيتَها على ظهرِ قشَّة.
وأنا...
أحلبُ الصمتَ في إناءٍ مثقوب،
وأطعمُ حصاني حفنةً من الجهاتِ الأربع،
ثم أزرعُ مسمارًا في خاصرةِ الانتظار...
وأحبُّكَ أكثر.
بدأت المطاحنُ تطحنُ أسماءَ الناس، لا القمح
والخبزُ صار يخرجُ برائحةِ الأمهاتِ المفقودات.
الأيدي تعجنُ جوعَ العالم،
والجوعُ يعجنُ اللهَ داخل أفواهِ الأطفال،
وأنا...
أرقصُ كي تسقطَ المتاهةُ من رأسي.
أخبِّئُ فراشات في شرايينِ القدر،
وأخمِّرُ النجومَ في جرَّةِ السكر،
لعلَّ الليلَ يصحو سكران بالضياءِ...
وأحبُّكَ أكثر...
الساعةُ الرابعةُ فجرا...
وما زالَ الليل يرفضُ التوقيعَ على شهادةِ موتِه
الجميلاتُ لا يمشين...
إنهنَّ يؤجِّلنَ سقوطَ الطريق
الكعوبُ توقِّعُ على التراب،
والسرابُ يحفظُ أسماءهنَّ كأنَّه دفترُ حضورٍ للعدم.
وأنا...
أحرسُ الندوب التي تظنُّ نفسها أساور
أخبِّئُ العهودَ داخل جلدي، لأنَّ الأعاصيرَ تعرفُ عنوانَ غرفتي أكثرَ مني.
وأحبُّكَ أكثر.
والجدَّاتُ يمشطنَ شعرَ الزمن،
والأطفالُ يجمعونَ السنواتِ المتساقطةَ كما تُجمعُ التفاحاتُ بعد العاصفة،
الغولةُ...
لم تكن تأكلُ الأطفال.
كانت جائعةً إلى حضنٍ لم يخفْ منها،
لذلك...
كلما بكتْ كبرتُ قرنًا آخر من الرحمة.
وأحبُّكَ أكثر.
ذلك الرجلُ في المذياع يسأل:
متى تنتهي الحروب؟
أطفئُ الراديو،
الحروبُ ليست في الأرض.
إنها تتكاثرُ كلما نطقَ إنسانٌ بكلمةِ «غدًا».
الليلُ يمضي...
لكنَّ ظلَّه يبقى عالقًا في رئاتِ النهار
البلابلُ لا تغنِّي،
إنها تختبرُ إن كان الهواءُ ما يزالُ صالحًا للأمل.
وأنا...
أردِّدُ:
«أغدًا ألقاك... »
ثم أشكُّ أنَّ الغدَ اختراعٌ ابتكرهُ العشاقُ كي لا يموتوا دفعةً واحدة.
لهذا...
أنتظر.
وأحبُّكَ
أكثرَ ممَّا يحتملُ الزمن...