يا شاعرًا رضِيَ الرجامَ وعالم الأحلام مثوى
يا شاعرًا قد زاده طولُ الرقادِ جوًى وبلوى
قمْ فالحياة جديدةٌ واملأْ سماء الروض شَدْوا
واغمرْ حواشي الأرض ضوءًا واسكبِ الأشعار سلوى
فعوابر الأنسام كالأطيار في الأسحار نشوى
ما لي أعودُ إلى الحياة كأنّني قد عُدتُ سهوا؟!
ما لي أجيء إلى الوجودِ فلا أرى لي فيه مأوى؟
ما لي أعود فلا أرى في الروض أطيارًا وصفوا؟
ما لي أُحسّ كأنّني طيرٌ بنار الشوق يُكوى؟
ما لي أحسّ كأنّ نفسي في جحيم الدهر تُشوى؟
ما لي أعود كأنّني قصصٌ على الآباد تُروى؟
رباه ما أنا؟ هل وُجدتُ على ضفافِ الكون لَهوا
ما لي أعود إلى الحياة كأنّني قد عدتُ سهوا؟
قد كنت شيئًا غامضًا فجعلتني بشرًا سويّا
قد كنت في دنيا الغيوب فجئتُ للكون فتيّا
سوّيتني وبعثتني يا ربِّ إنسانًا قويّا
ووهبتني العقل المنير وكنت جبارًا عتيّا
أحيَيْتني وبعثتني كالزّهر في الروض نديّا
فأخذت أنظر في الوجود فلم أجد فيه وفيّا
ما لي أحسّ كأنّ أيدي الدهر تطوي الناس طَيّا؟
والرعبُ يملأ جانب الدنيا نواحًا أو دويّا؟
والروضُ صوّح بعد أن كانت به الأزهار رَيّا؟
واللّيل زنديقٌ رهيبٌ يملأ القيعان غيّا؟
ما لي أعود إلى الحياة كأنّني قد عدتُ سهوا؟
إنّي أرى الدنيا كما كانت تلالاً أو هضابا
إنّي أرى الدنيا قفارًا أو هشيمًا أو سرابا
همْ ضيّعوا منها الحياء ومزَّقوا فيها الحجابا
همْ حرّموا فيها السّلام ونكَّسوا فيها الرقابا
هل تبلغون بهذه الأحقاد في الدنيا طلابا؟
شابت من الأهوال دنياكمْ وهذا الدّهر شابا
صار الغبيُّ بها حكيمًا والحكيم قضى وغابا
وتفلسفت في الدين أشياخٌ فهل نبذوا «الكتابا»؟
وتجادل الجهلاء حتى صار هذا الدين صابا
وتنكَّرت فيه فلاسفةٌ فلم نسمع جوابا
وإذا الحياةُ تنكّرت أعلامُها صارت يبابا
عجبًا بذنبي سوف أُبعث؟ ليتني كنت ترابا
ما لي أحسّ كأنَّ دنيا الناس قد أمستْ خرابا؟
ما لي أعود إلى الحياة فلا أرى فيها الصّحابا؟
ما لي أعود إلى الحياة فلم أجد إلا ذئابا؟
إني شربتُ على يديها في بواديها العذابا
ما لي أعود إلى الحياة
كأنّني قد عدت سهوا؟