ألا هل رأتْ عيناكَ «مكوارَ» بعدَ ما
أقامتْ يدُ الإصلاح في نهره السدّا
كأنّ سليمانَ الحكيمَ أقامه
بتسخير جِنٍّ يسردون الصَّفا سَرْدا
بناءٌ يضلّ الفكرُ في تيه كُنههِ
كطَودٍ رسا لم تَرْءَ عينٌ له نِدّا
يُصادم تيّاراً يهدّ إذا طغتْ
أواذيُّ فوق اليمِّ شُمُّ الذرى هَدّا
كأن دويَّ الموجِ مرتطماً بهِ
دويَّ ثقالِ السُّحْب إذ أرسلتْ رعدا
كأن مرورَ الماءِ بين ثقوبهِ
مرورَ سهامٍ لا تكلّ ولا تَهدا
يظلّ زِمامُ النيلِ طوعَ مُرادهِ
يكلّفه جَزْراً ويُرسله مَدّا
وعاج نميرُ الماءِ ينساب عنوةً
على المرج حتى جلّلَ الهَضْبَ والوَهْدا
وصيّرَ من أرض الجزيرةِ روضةً
تخال بساطاً سُندسيّاً بها امتدّا
كأن نسيمَ الروضِ باكرَه الندى
أثار على أرجائها المسكَ والنَّدّا
كأنّ مُكاءَ الطيرِ بين جِنانها
حديثُ العذارى أحكمتْ صوغه نشدا
لقد عدَّ فرعونُ الكنانَةِ نفسَهُ
إلهاً لأن النيل من تحته انقدّا
ولو عاش حتى شاهدَ اليومَ ما أرى
وما أثمرَ الخزّانُ أزرى بما عدّا
لكم يا بني السودانِ وجّهتُ دعوتي
لأكشفَ من أسياف همّتكم غِمْدا
فانتم نواةُ الحيّ أنبتَها الثرى
ثرى أرضكم لا غَرْوَ أن أثمرتْ سَعْدا
أثيروا خبيءَ الرزقِ بالحرث وادأبوا
على الزرع إنّ الأرض قد مُهِّدَتْ مهدا
فإنّ الثراء الحِلَّ في باطن الثرى
مقيمٌ ولكنّ النجاح لمن كدّا
ولا يشغلَنْ حبُّ التوظِّفِ بالَكم
فلا خيرَ في رزقٍ يُقيّدكم قيدا
وفي ساحة الكسب الجزيلِ مناهلٌ
عِذابٌ لحُرٍّ مُطلقٍ يبذل الجهدا
نظيرُكَ من تستغنِ عن فضل مالهِ
عفافاً فإن تحتجْ إليه تكنْ عبدا
وقد تجتني ممّن يُعاديك خبرةً
تُجنّبكَ الفخ َّالذي مَدّه رصدا
وتدرك بالحلم الأمورَ موفَّقًا
وتُخطئ بالحمق الحزامةَ والرشدا
ومن جانبَ الهزلَ استفاد كرامةً
لأنّ فضولَ القولِ شان الفتى الجَعْدا
وخازنِ مالٍ لم يصنْ عِرضَه بهِ
تَخطّفَه الوُرّاثُ إن وُسِّدَ اللّحدا
ومن سالمَ الناسَ اتّقى شرَّ خَتْلهم
وعاش سليمَ الصدرِ من ترك الحقدا