تخطَّ إلى المحتوى

يا من تضيء الدرب إن جن الظلم

الكامل

٤٧ بيت

النسيب

يا من تُضيءُ الدربَ إن جنَّ الظَّلَمْ

وتعيدُ في روحي بريقًا مُحتَمَلُ

إنّي رأيتُ الحُبَّ في عينيكِ أغنِيَةً

تسقي الجراحَ، وتستبيحُ بيَ الأجَلُ

ما عادَ شعري يكتفي بالبحرِ أو قلمٍ

إنّي على كفَّيكِ أُبحِرُ مُكتَمِلُ

فإذا تكلَّمَ نصارٌ عن حُسنِكِ الرائعِ

جئتُ أُسافِرُ فيكِ أعمقَ من جَبَلُ

يا منبعَ الأنهارِ في صحراءِ مهجتِنا

يا من يَفُكُّ الحُزنَ عن قلبي المَعلُولُ

أنتِ الضياءُ إذا تكاثرتِ العَواصِفُ بي

وأنتِ في بَردي دفءٌ لا يَزولُ

ما كنتُ أعرف أنَّ للأنثى سِحِرًا

حتى وجدتُكِ، فانجلى عنّي الخَجَلُ

قومي انظُري… هذا أنا، جرحٌ بلا وطنٍ

لكنني فيكِ استعيدُ الدربَ والسبُلُ

وجهُكِ فردوسٌ، وهل في الكونِ مَطلَبُنا؟

غيرُ الذي في عُيونِكِ قد اكتَمَلُ؟

أنتِ البدايةُ في شعوري، والنهايةُ لي

أنتِ الأمانُ، وأنتِ نارٌ تَشتَعِلُ

علّمتِني أنّ الهوى صَحوٌ ومَطرُ

علّمتِني أنني في حضنكَ الرَّجُلُ

علّمتِني أنني لو غِبتُ عن وطنٍ

صارَ الحنينُ بصدركِ الدافئِ الأوَّلُ

يا من إذا ضحكتْ شمسٌ على ثغرِها

سَجَدَ النهارُ، وقالَ: البدرُ مُكتَمِلُ

أهواكِ؟ لا، بل أنا الأعصارُ يعشَقُني

وحبُّكِ البرقُ، في دَمي يَتَسَلْسَلُ

فامنحيني يدًا تَكفي لأعبرَها

إنّي غريبٌ، وهذا العُمرُ مُرتَحِلُ

إن لم تكوني مَعِي، ضاعَتْ مراكِبُنا

واستوطَنَ التيهَ قلبي، والهوى قُتلُ

أهواكِ حتى إذا ما جئتُ مُنكسِرًا

أحسَستُ أني لديكَ الفارسُ البَطَلُ

أهواكِ حتى إذا ما غبتِ عن بصَري

ظلَّ الهوى في دمِي يُزهي ويَبتَهِلُ

يا منبَعَ الرّوحِ، يا عطرًا أُطارِدُهُ

إنّي إذا مسَّني طيفُكِ أَكتَمِلُ

فيكِ انكساري، وفيكِ القوّةُ ارتفعتْ

فأنتِ جُرحٌ، وأنتِ السِحرُ والغَزَلُ

إني تركتُ ورائي كلَّ أمجَادِهم

وجئتُ أزرعُ في عينيكِ ما أَمَلُ

عيناكِ أغنيةٌ تسري بأوردتي

وفي دَمي منهُما نبعٌ ومَنَاهِلُ

عيناكِ، ما عادَ لي في الأرضِ مُتّسَعٌ

إن لم أُقِمْ فيهما، ضاعَ الذي حَصَلُ

عيناكِ، ما عادَ حرفي قادرًا أبَدًا

أن يُحسِنَ الوصفَ، أو يُروِي، أو يَصِلُ

يا من خُطاكِ إذا مرّتْ بذاكرتي

انحازَ تاريخُنا، وارتاعَ مُبتَدَلُ

ما بينَ كَحلِكِ والأشعارِ مُعجزةٌ

لو قيلَ عنها، بَكى في صَمتِهِ الجَبَلُ

يا من تُقيمينَ في صدري كقافِيَةٍ

تمشي معي حيثُما يمضي بيَ السَبَلُ

قد كنتُ أهربُ من نفسي، فأمسَكَتِي

زمامَ أيّامي، فانقادَ بي الأجَلُ

أهديتِني لغةً لا تُشبهُ الكَلِمَا

ولا يحدُّ جمالَ العَينِ مُقتَبَلُ

إنّي على بابِكِ الموصودِ أطرُقُهُ

أرجو اللقاءَ، وفي عينيكِ مُحتَمَلُ

فامنَحيني حياةً فيكِ أحمِلُها

إنّي غريبٌ، وما في الحبِّ مُستَحَلُ

أهديتُ قلبي إلى عينيكِ مُنطلِقًا

فصارَ في كَفِّكِ الممدودِ يَشتَعِلُ

لم أدرِ أنّي غريبٌ في مَداكِ، وفي

أحضانِكِ الآنَ لا جوعٌ ولا خَجَلُ

أمضي إليكِ، فتُمسيني كأنَّ دَمي

قد صارَ لحنًا على أنغامِكِ انصَهَلُ

أنتِ ولادتي، وأنتِ الوَعدُ في دمِي

وأنتِ مَجدٌ على أعناقِنا نَزَلُ

يا من تُخبِّئُ في كفَّيْكِ مملَكَةً

وتمنحِين الهوى ما ليسَ يُأتَمَلُ

يا من تُخبِّئُ في صَوتَيْكِ موسِمَنا

كي يزهرَ العُمرُ، والتذكارُ يشتَمِلُ

لو لم أكن في هواكِ اليومَ مُغتَرِبًا

ما كانَ للحُزنِ في أيّامِنا وجلُ

لو لم أكن في هواكِ العِطرَ، ما وُجِدَتْ

أشعارُ من قبلُ، أو موسيقى، أو قُبَلُ

أنا الذي جئتُ كي أبني على حُلمِي

صرحًا، فكنتِ لهذا الصرحِ ما يُعَلُ

أنا الذي جئتُ كي أُحيي مواجِعَهُ

فانسابَ صوتُكِ في جُرحِي، وما سَأَلُ

كلُّ الذينَ أتَوا قبلي وما كتبوا

قد ضاعَ مِدادُهُمُ، والشِّعرُ مُرتَحَلُ

أمَّا أنا، في يديكِ الآنَ أكتُبُني

فأنتِ إن قلتِ: هذا الحُبُّ، يَكتَمِلُ

يا من إذا غِبتِ ضاعَ العمرُ وانكَسَرَتْ

في داخلي أمنياتٌ ما لها بَدَلُ

يا من إذا جئتِ عادَ الحُسنُ مُبتَسِمًا

واستيقظَ الحُلمُ، و جابَ الأسى الخَجِلُ

أنتِ البدايةُ في شعري وفي دَمِي

وأنتِ، يا غايةَ الأرواحِ، المُقَلُ

فامضي معي، إنَّ في عينيكِ مَملَكَتي

ما دمتِ لي، ما مضى قبلي وما رَحَلُ