أَمِنْ طَيْفِ مَيٍّ أَرَّقَتْكَ العَوَاذِلُ
فَسَالَتْ عَلَى الخَدَّيْنِ مِنْهَا جَدَاوِلُ
دِيَارٌ لِمَيٍّ بِالحِمَى قَدْ تَبَدَّلَتْ
بِهَا الرِّيِحُ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ تُزَايِلُ
وَقَفْتُ بِهَا أَبْكِي وَأَذْكُرُ مَعْهَدًا
مَضَى وَعُهُودًا شَيَّدَتْهَا الأَوَائِلُ
رَمَتْنِي نَوَاهَا عَنْ قِسِيٍّ مَنِيعَةٍ
فَمَا لِي لَعَمْرُ اللهِ بِالبَيْنِ طَائِلُ
إِذَا طَالَ لَيْلِي بِالشُّجُونِ حَسِبْتُهُ
طَوِيلَ المَدَى مَا لِلصَّبَاحِ دَلَائِلُ
كَأَنَّ الحَشَا نَارٌ تَشِبُّ مِنَ الجَوَى
يَبِيتُ لَهَا بَيْنَ الضُّلُوعِ زَلَازِلُ
أُغَالِبُ نَفْسًا بِالمَلَامِ تَعَلَّقَتْ
وَلَيْسَ لِقَوْلِ العَاذِلِينَ حَوَاصِلُ
خَلِيلَيَّ كُفَّا عَنْ مَلَامِي فَإِنَّنِي
بِمَا أَجِدُ الطَّاوِي مِنَ الحُزْنِ شَاغِلُ
يَقُولُونَ سَلَّى قَلْبُهُ عَنْ حِبَالِهَا
وَكَيْفَ يَسْلُو مَنْ هَوَاهُ مُقَاتِلُ
فَلَوْ ذَاقَتِ العُذَّالُ بَعْضَ صَبَابَتِي
لَقَالُوا مُحِبٌّ أَقْعَدَتْهُ القَلَاقِلُ
أُرَاقِبُ نَجْمَ اللَّيْلِ سَاهٍ كَأَنَّنِي
رَقِيبٌ عَلَى الأَفْلَاكِ وَاللَّيْلُ حَافِلُ
لَيَالِيَ مَيٌّ غَادَةٌ حُوَرِيَّةٌ
لَهَا مَبْسَمٌ عَذْبُ المَذَاقَةِ صَاقِلُ
نَقِيُّ الثَّنَايَا كَالأَقَاحِي إِذَا جَرَى
عَلَيْهِ الغَمَامُ المُسْتَهِلُّ الوَابِلُ
نَعُومٌ تَهَادَى فِي المَشِيِّ كَأَنَّهَا
غَزَالٌ رَمَتْهُ فِي الفَلَاةِ الحَبَائِلُ
إِذَا مَا مَشَتْ بَيْنَ النِّسَاءِ حَفِيَّةً
رَأَيْتَ قَوَامَ الغُصْنِ إِذْ يَتَمَايَلُ
أَتَتْنِي كَطَيْفِ اللَّيْلِ بَعْدَ تَبَاعُدٍ
وَقَالَتْ وَفِي أَطْرَافِهَا هِيَ نَائِلُ
أَلَا قُمْ فَمَا حَبْلُ المَوَدَّةِ بَيْنَنَا
بِوَاهٍ وَلَا عَهْدِي لِمِثْلِكَ زَائِلُ
فَقُلْتُ وَعَهْدِ اللهِ لَا حِلْتُ عَنْ هَوًى
وَإِنْ أَكْثَرَتْ فِينَا المَلَامَ العَوَاذِلُ
وَلَكِنَّ نَفْسِي لَا تَقِيمُ عَلَى أَذًى
وَلَا يَرْتَضِي عَيْشَ المَذَلَّةِ بَاسِلُ
سَأَقْطَعُ بِيدَاً بِالفَيَافِي بِجَسْرَةٍ
أَمُونٍ إِذَا كَلَّتْ جِمَالٌ بَوَازِلُ
عُذَافِرَةٍ تَطْوِي الفَلا بِنَجَائِهَا
كَمَا مَرَّ نَسْرٌ فِي السَّمَاءِ يُحَاوِلُ
تَخُبُّ وَتَسْمُو فِي الصَّحَارِي كَأَنَّهَا
سَفِينَةُ بَحْرٍ أَثْقَلَتْهَا المَحَامِلُ
لِأَبْلُغَ قَرْمًا طَابَ فِي المَجْدِ ذِكْرُهُ
هُوَ الغَيْثُ هَمَّالٌ هُوَ البَحْرُ كَامِلُ
إِلَى سَيِّدٍ ضَخْمِ النَّدَى يَلْتَجِي بِهِ
رِجَالٌ وَمَا لِلنَّاسِ عَنْهُ بَدَائِلُ
تَرَى الجُودَ يَجْرِي فِي يَمِينِهِ طَائِعاً
كَمَا حَفَلَتْ بَعْدَ المَحُولِ المَسَائِلُ
لَهُ رَاحَةٌ لَوْ قَاسَمَ الغَيْثَ صَوْبَهَا
لَقَصَّرَ غَيْثٌ أَثْقَلَتْهُ الشَّمَائِلُ
حَلِيمٌ إِذَا مَارَى السَّفِيهُ بِجَهْلِهِ
وَلَكِنَّهُ فِي الحَرْبِ لَيْثٌ مُنَازِلُ
يَجُوسُ عَرِينَ الخَوْفِ ثَبْتاً جَنَانُهُ
مَتَى النَّفْسُ غَالَتْهَا الخُطُوبُ النَّوَازِلُ
تَلُوذُ بِهِ السَّادَاتُ مِنْ كُلِّ مَأْزِقٍ
كَمَا اعْتَصَمَتْ يَوْمَ الهِيَاجِ المَعَاقِلُ
إِذَا حَمَلَ العِبْءَ الثَّقِيلَ رَأَيْتَهُ
خَفِيفاً تَقَاصَرُ عَنْ مَدَاهُ الأَفَاضِلُ
هُوَ البَحْرُ عَمَّتْ لِلْبَرَايَا نَوَالُهُ
فَمَا لَهُ فِي المَكْرُمَاتِ مُمَاثِلُ
بَصِيرٌ بِتَصْرِيفِ الأُمُورِ سَدِيدُهَا
بَنَى المَجْدَ حَتَّى نَاطَحَتْهُ الأوائِلُ
سَقَى اللهُ قَوْماً أَنْتَ بَدْرُ سَمَائِهِم
فَمَا لِأَفُولِ البَدْرِ فِيهِمْ دَلَائِلُ
سَيَبْقَى ثَنَائِي فِيكَ رَوْضاً مُنَضَّراً
تُغَنِّي بِهِ فَوْقَ الغُصُونِ البَلَابِلُ