تخطَّ إلى المحتوى

كالمسافة ما بين ذاكرتين

غير معروف

٤٢ بيت

النسيب

كالمسافةِ ما بينَ ذاكرتينِ،

وكالرُّوحِ آنَ الولادةِ،

كالغيمِ في الصَّيفِ، كاللحظاتِ المُضاءةِ بالحبِّ:

كانَ البياضُ المُشَهِّيْ.

أجلسُ القرفصاءَ أمامَكِ يا زهرتي الآدميَّةَ،

يا دُميَةً

غمامٍ تصلَّبَ،

يا حَفنةَ الوردِ في كفِّ راقصةٍ مُتقِنَةْ.

أجلسُ القرفصاءَ أمامَكِ؛ تَعبُرُني الأزمنةْ...

في زمانٍ بعيدٍ،

وفي حِجرِكِ المَلَكِيِّ، مَددتُ فمًا للبياضِ المُشَهِّيْ.

تُمطِرُ الآنَ رائحةً...

والطيورُ تكادُ تُجَنُّ. النساءُ اللواتي ملأنَ النوافذَ طِرنَ. الرجالُ ارتموا خائرينَ.

المكانُ تَوهَّجَ، ثُمَّ انطفا بغتةً.

تُمطِرُ الآنَ رائحةً...

وكلابُ الشوارعِ مسلوبةُ اللُبِّ.

والزهرُ يفتحُ تيجانَهُ للمزيدِ.

وبحرٌ بعيدٌ يقومُ من النومِ، ثُمَّ يعودُ لهُ بغتةً.

تُمطِرُ الآنَ رائحةً...

بينما أجلسُ القرفصاءَ أمامَكِ عُريانةَ الصدرِ،

لا أتحرَّكُ إلّا لأرفعَ شَعري،

ولا أتكلَّمُ إلّا لأمدحَ هذا البياضَ المُشَهِّيَ

يا زهرتي الآدميّةَ.

ما بينَ ذاكرتينِ تكونُ المسافةُ بيضاءَ.

والرُّوحُ آنَ الولادةِ بيضاءُ.

والغيمُ في الصيفِ أبيضُ.

واللحظاتُ المضاءةُ بالحبِّ قد تنتهي قمرًا فاتنًا

في سريرِ الأحِبَّةِ.

والأبيضُ المَلَكِيُّ الذي فاحَ منكِ...

يطيحُ بهذا البياضِ المُشَهِّيْ.

تملئينَ الدِّنانَ وأُفرِغُها!

تصنعينَ الحياةَ كما يصنعُ البدوُ شايًا على الرملِ.

تخترقينَ نظامَ الطبيعةِ يا حَفنةَ الوردِ، إذ تمطِرُ الآنَ رائحةً

أنتِ مصدرُها.

تُمطِرُ الآنَ رائحةً...

والشوارعُ مهجورةٌ، والمدينةُ بيضاءُ مطمورةٌ بالبياضِ،

وكفُّكِ يا دميةَ الغيمِ تُجلِسُني القرفصاءَ أمامَكِ،

تُخرِجُ من فتحةِ الصَّدرِ ثَديًا ضئيلاً،

بزهرتِهِ أمسكتْ شفتايَ، بأبيضِهِ المَلَكِيِّ جُنِنتُ...

فمي مُترَعٌ وسعيدٌ؛ ولا أتكلَّمُ إلّا لأمدحَ هذا البياضَ المُشَهِّيَ،

لا أتكلَّمُ إلّا لأمدحَهُ.

من