تخطَّ إلى المحتوى

إلى محمود درويش

غير معروف

٨٨ بيت

المتفرقات

إلى مَحمُود دَرْويش ...

مَنْ أَنا ؟!!

غَيْرُ سَادِنِ غيمٍ أَتيتُ لأَحرُسَ سِرْبَ

الفَراشاتِ مِنْ نَفْسِها

وأُتمتمُ لِلعابراتِ بِبَحَّةِ صَوتِي الَّتي

لَمْ تَعُدْ تُقنِعُ البَحْرَ كي أَعبرَ العُمْرَ ...

مِنْ مَوجَةٍ خَائِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أَمُرَّ على هذهِ الأَرضِ

مِنْ عَتَباتِ الأَنا الزَّائِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أَقولَ لِبيرُوتَ

لا تَرجِعِي خُطوَتَينِ إلى ظِلِّنَا

فَالمَسَافاتُ ضَيِّقَةٌ ... والخُطَى آسِفَةْ ...

مَنْ أَنا ؟!!

كي أَقُولَ لِبَغْدَادَ ...

لا تَقِفِي بينَ ظِلِّي وَظِلِّي

فَقَدْ هَزَمَتْنَا المَرَايا بِنَظرَتِهَا الخاطِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أُوَارِي دَمَ الشُّهداءِ بغزَّةَ

حينَ تُعَاتِبُنِي نَظْرةُ امرأَةٍ تَدَّعِي أَنَّها الأَرضُ

والشُّهَدَاءُ ...

وَتَرمُقُنِي بِابتِسَامَتِها النَّاشِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أَمُرَّ عَلَى كَرْبُلاءَ ...

وَوَجْهُ الحُسَينِ يُطَارِدُنِي

بَينَ صَمْتِ التُّرابِ

وَوَسْوَسَةِ الحَرْفِ وَالكَلِماتِ

وَخَيْطِ النِّهايَاتِ وَالعَتَباتِ ...

وأُغنِيَةٍ نازِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أُعَلِّمَكُمْ تَمْتَمَاتِ البَلَاغَةِ

والصَّرْفَ والنَّحْوَ وَالكَلِمَاتِ الَّتي

تَضْرِبُ العُمْرَ كَالعَاصِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أَقُولَ لِسَيِّدةٍ تَشْتَهِي مَقْتَلِي

اخلَعِي ثَوبَكِ النَّرجِسيَّ على ضِفَّةٍ أَستريحُ بِهَا

رَيثَما يَصْعَدُ الصَّوتُ بَعْدِي

على قَامَةٍ واقِفَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

عابرٌ مِنْ سُباتِ المَرايا وَوَلْوَلَةِ الوَقتِ

أَتْعَبْتُ بِالرَّكضِ مَنْ لَحِقُوا

الرِّيحَ في شَبَقِ المَوتِ

كي لا أَرُدَّ على قادمٍ مِنْ

فَرَاغِ المَجَازِ القَدِيمِ إلى

الهَاوِيَةْ ...

مَنْ أَنا ؟!!

غَيْرُ طِفْلٍ تَسَلَّقَ حَبْلَ المَرَايا

وَلَم يَرْتَطِمْ بالتَّفَاصِيلِ

لم يَحْنِ رَأْسًا لِعَابِرَةٍ

أَوْصَدَتْ بَابَهَا الأُرجُوَانِيَّ

فِي وَجْهِ مَنْ صَعَدُوا لِلسَّماءِ

على نَخْلَةٍ عالِيَةْ ...

حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي

ثمَّ قَبَّلتُ كفَّيهِ

قبلَ انكِسَارِ الحَياةِ كَلَوحِ زُجاجٍ هَوَى

حِينَمَا أَغْمَضَ المَوْتُ عَينَيهِ

في لَحْظَةٍ عَارِيَةْ ...

صَمَتُّ ...

وكانَ الدَّوِيُّ بِرَأسِي

يُؤَثِّثُ أَقْنِعَةَ الفَاجِعَةْ ...

وَقلتُ لِوَالِدَتِي: إِنْ سَقَطْتُ

عَنِ الياسَمِينِ

فَلا تَصرُخِي

فَالنِّسَاءُ الجَميلَاتُ

يَقْبَلْنَ بِالمُستَحِيلِ ...

لكي لا يَرَاهُنَّ ذَاكَ

الغَرِيبُ بِنَظرَتِهِ الجائِعَةْ ...

خَجِلْتُ لِأَنِّي أَرَدْتُ أَقولُ لَها

لَو تَعُودينَ لِلْبَيتِ...

لَوْ ؟!!

سَبَقتني وَقالَتْ: أَنا رَاجِعَةْ

لَمْ أَكُنِّي ...

وَلكنَّها لَحظَةٌ تَتَساوى بها الكَلِماتُ

مَع القَافِيَةْ ...

لَحظَةٌ مِنْ رَمَادِ مُعَلَّقَةٍ

كُتِبَتْ بالغيابِ بِلا رُقعَةٍ أَو يَدٍ

بَاكِيَةْ

خِفتُ أَنْ يَسبِقَ الحُلْمُ مَا دَارَ بِينِي وَبَينَ المَرَايا

فَأَغلقْتُ ذَاكِرتي بَينَ صَوتَينِ مِنْ

تَعَبِي وارتِطَامِي بِمَوجٍ يَزِيدُ ارتطامًا

بِذَاكِرةٍ خَاوِيَةْ

مَنْ أَنا ؟!!

كي أقولَ لكَ الآنَ:

أنَّكَ لَمْ تَبتَعِدْ أَبَدًا

فَالمَسافَةُ بَينِي وَبَينَكَ

مَوْجٌ ... وَبَحْرٌ ... وَماءٌ ... وَبَرْقٌ ... وَرَعْدٌ ... وَنارٌ ... سَماءٌ ... حُطامٌ ... وَغَيْمٌ ... وَجُوعٌ ... وَبَرْدٌ ... وَرَكْضٌ ... وَعَدْوٌ ... وَصَمْتٌ ... وَبَوْحٌ ... وَلَوْنٌ ... وَظِلٌّ ... وَحُبُّ ... وَوَجْدٌ ... وَعِشْقٌ ... وَشَوْق

وَقَافِيَةٌ بَالِيَةْ ...