تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

٦٧ بيت

الوصف

أراك ...

كما ترى المدنُ أمطارها القديمة ،

تختبئ بين الأزقّة ،

وتتساءل إن عاد أحدٌ ليهمس باسمها .

أراكِ

لا بوصفكِ امرأة ،

بل بوصفكِ اللحظةَ الوحيدة

التي لم تخذلني فيها الأيام .

حين تصيب عينيكِ الضوء ،

أترك كل خوفي على العتبة ،

كجنديٍّ أنهكه الليل ،

وأعود بلا جسد ، بلا صوت ،

بلا شيء سوى صمتكِ .

أتعلمين ؟

منذ عرفتكِ ،

تراجعت الساعات عن عدّها ،

وأصبحت كل الثواني كاذبة ،

إلا تلك التي تتسلل بين كفّيكِ ،

تتبخّر قبل أن نلمسها .

أغارُ عليكِ

من خطواتكِ حين تمرّ بلاي ،

ومن نبرتكِ حين تنادي شيئًا لم يسمعه أحدٌ ،

ومن ضحكتكِ حين تسافر بعيدًا عن عينيّ .

أراكِ

كمن يلتقط ضوءًا صغيرًا في الظل ،

كمن يحفظ في يده آخر ما تبقّى

من صيفٍ قديم ،

كمن يقرأ أسماءً لم تعد موجودة

إلا في صمتكِ .

أنا رجلٌ

تعلم الصبر متأخرًا ،

ولهذا أحبُّكِ كما يحبّ من يكتشف البحر

في عينيه ،

كمن لا يملك وقتًا ليخطئ ،

ويعرف أن كل لحظة تمضي

هي كنز لا يُستردّ.

أحيانًا أراكِ قادمة،

ولا تأتين،

فأفهم أن الشوق ليس انتظارًا،

بل امتحانًا يضعه الليل على

عتبات قلبي .

وأحيانًا تجلسين أمامي ،

لا تقولين شيئًا ،

وأسمع كل ما عجزتِ عن قوله ،

أقرأكِ في صمتكِ،

وألمس كل الحروف التي

لم تُكتب بعد .

إن سألوا عنكِ ،

فلتخبرهم أن من يراكِ ،

كان يكتب نفسه كلما كتبتِ ،

ويخسر العالم كله

ليحتفظ بما تبقى من ضوءك

في قلبه .

وفي النهاية ،

لا أطلب منكِ وعودًا ،

ولا مستقبلًا مصقولًا ،

أطلب فقط أن تبقي كما كنتِ ،

حين مرّ الضوء الأول بين عينيكِ ،

حين أحببتكِ قبل أن يعرف

العالم اسمكِ .

لأن الحب ، حين يطول ،

لا يحتاج نهاية ،

بل يحتاج صدقًا يكفيه كي يعيش ،

ويظل حيًا ، كما تبقى

المدن القديمة،

محفوظة في الأزقّة ،

منتظرة أن يذكرها أحدهم باسمها .