أراك ...
كما ترى المدنُ أمطارها القديمة ،
تختبئ بين الأزقّة ،
وتتساءل إن عاد أحدٌ ليهمس باسمها .
أراكِ
لا بوصفكِ امرأة ،
بل بوصفكِ اللحظةَ الوحيدة
التي لم تخذلني فيها الأيام .
حين تصيب عينيكِ الضوء ،
أترك كل خوفي على العتبة ،
كجنديٍّ أنهكه الليل ،
وأعود بلا جسد ، بلا صوت ،
بلا شيء سوى صمتكِ .
أتعلمين ؟
منذ عرفتكِ ،
تراجعت الساعات عن عدّها ،
وأصبحت كل الثواني كاذبة ،
إلا تلك التي تتسلل بين كفّيكِ ،
تتبخّر قبل أن نلمسها .
أغارُ عليكِ
من خطواتكِ حين تمرّ بلاي ،
ومن نبرتكِ حين تنادي شيئًا لم يسمعه أحدٌ ،
ومن ضحكتكِ حين تسافر بعيدًا عن عينيّ .
أراكِ
كمن يلتقط ضوءًا صغيرًا في الظل ،
كمن يحفظ في يده آخر ما تبقّى
من صيفٍ قديم ،
كمن يقرأ أسماءً لم تعد موجودة
إلا في صمتكِ .
أنا رجلٌ
تعلم الصبر متأخرًا ،
ولهذا أحبُّكِ كما يحبّ من يكتشف البحر
في عينيه ،
كمن لا يملك وقتًا ليخطئ ،
ويعرف أن كل لحظة تمضي
هي كنز لا يُستردّ.
أحيانًا أراكِ قادمة،
ولا تأتين،
فأفهم أن الشوق ليس انتظارًا،
بل امتحانًا يضعه الليل على
عتبات قلبي .
وأحيانًا تجلسين أمامي ،
لا تقولين شيئًا ،
وأسمع كل ما عجزتِ عن قوله ،
أقرأكِ في صمتكِ،
وألمس كل الحروف التي
لم تُكتب بعد .
إن سألوا عنكِ ،
فلتخبرهم أن من يراكِ ،
كان يكتب نفسه كلما كتبتِ ،
ويخسر العالم كله
ليحتفظ بما تبقى من ضوءك
في قلبه .
وفي النهاية ،
لا أطلب منكِ وعودًا ،
ولا مستقبلًا مصقولًا ،
أطلب فقط أن تبقي كما كنتِ ،
حين مرّ الضوء الأول بين عينيكِ ،
حين أحببتكِ قبل أن يعرف
العالم اسمكِ .
لأن الحب ، حين يطول ،
لا يحتاج نهاية ،
بل يحتاج صدقًا يكفيه كي يعيش ،
ويظل حيًا ، كما تبقى
المدن القديمة،
محفوظة في الأزقّة ،
منتظرة أن يذكرها أحدهم باسمها .