تخطَّ إلى المحتوى

جلست على الأنقاض تنظر حائرة

غير معروف

٧٦ بيت

المتفرقات

جَلَسَتْ على الأنقاض تنظر حائرةْ .

يا للبراءةِ .. في العيون الناظرةْ .

هم هكذا الأطفالُ ، نُؤسَرُ عادةً

لمَّا نراهم ،

فالطفولةُ آسرةْ .

جلست وفي يدها الصغيرة رسمةٌ

وأمامها الأدواتُ شبه مبعثرةْ .

قلمٌ وممحاةٌ ومبراةٌ وفرجارٌ وألوانٌ ،

هناك ومسطرةْ .

كم عمرُها ؟ سبعٌ ؟ ثمانٍ ؟

قلتُ : لم تبلغْ ، لنفسي ، بعدُ سنَّ العاشرةْ .

" عمُّو " .! التفتُّ

وقد سمعتُ نداءها

وسألتُ :

هل ناديتِني يا " شاطرةْ " ؟

قالت : نعمْ ، وإذا سمحتَ دقيقةً

سأكون من أعماق قلبي شاكرةْ .

وأتت إلىَّ بسرعةٍ ،

فلمحتُ في العين الصغيرةِ دمعةً متحجرةْ .

مدت برسمتها إليَّ وأردفت :

" قلْ لي ، ولا تكذبْ !

ألستُ بماهرةْ " ؟

شاهدتُ ما صنعتْ ، فقلتُ : بلى ، وكم

هي رسمةٌ ممتازةٌ ومعبِّرةْ !.

ثم التفتُ لها ، وقلتُ وقد بدت

من فرط إعجابي بها ، متأثرةْ :

هل هذه دبَّابةٌ يا حلوتي ؟

قالت : نعم وهنا رسمتُ الطائرةْ .

حمراءَ ..

لوَّنْتُ السماءَ وتلكم الشمسُ اختفت

خلف الغيوم العابرةْ .

ورسمْتُ عمِّي ،

وهو حيٌ في جِنانِ الخلد في

تلك الحياة الآخرةْ .

وعمارةً من طابقين لجارنا

مهدودةً ، مجروفةً ، ومدمرةْ .

لم أنس شيئاً ،

كلُّ ما في رسمتي

هو صورةٌ عمَّا جرى ومصغَّرة .

جاء اليهود هنا ،

وكنتُ أنا على الشبَّاكِ ،

وقت وقوع تلك المجزرةْ .

لِمَ يقصفونَ بيوتَنا وخيامنا ؟

وكأنهم حُمُرٌ غدت مُستنفِرةْ .

لِمَ يزرعون الكره فينا عنوةً

نحن الصغارَ ،

ذوي القلوبِ الطاهرةْ .؟

هل يرغبون العيش مع أشباحنا ؟

تباً لهم !

متوحشون برابرةْ .

أمخيمٌ ؟،

هذا الذي نحيا به ؟

أُنظُرْ له !

فلقد غدا كالمقبرةْ .

لكننا باقونَ ، رغم أنوفهم

ماذا لدينا نحن حتى نخسرَه .؟

غير الحياةِ ، وهذه صارت بلا

طعمٍ ولا لونٍ ،

وصارت مسخرةْ !

حاولتُ جهدي أن أقاطعها فلم

أسطِعْ ،

وأعصابي غدت متوترة .

هل غبتُ عن وعيي قليلاً ربما ؟

هل بُحَّ صوتي ؟

هل فقدتُ السيطرةْ ؟

أم أنها الكلماتُ من عجزٍ بها

ترتدُّ للقصباتِ أو للحنجرة ؟.

مرت ثوانٍ ..

ثم دوَّى صوتُها المتهدِّج المجروحُ ،

مثل الصافرةْ .

" عمُّو " .. أتسمعني ؟!

فقلت لها : نَعَمْ

ما مات شعبٌ ، فيه تحيا الذاكرة .!

كلُّ الطيور تعودُ إنْ هيَ هاجرت

وطيور شعبي ،

لن تظلَّ مهاجرةْ .!