مُصابٌ له الصمُّ الصِّلاد تَصدَّعُ
لوَ انّ لها قلبًا يحسّ فتجزعُ
رُمينا به في يوم نحسٍ ولم نكن
ليومٍ عبوسٍ مثله نتوقّع
ولم نك ندري أن في الغيب فاجعًا
أليمًا وأن الدهر قد كان يخدع
إلى أن بدا جيشُ البليّة زاحفًا
طليعتُه داءٌ عضالٌ مروّع
فسدَّدَ ذاك الداءُ سهمًا رمى به
خيارَ بنينا ناشئًا يترعرع
فيا لك من داءٍ سلبتَ فؤادنا
وهل بعد فقد القلب عيشُك ينفع
فيا رحمةَ الله انزلي فتداركي
أبًا قلبُه المكلومُ حرّانُ موجَع
وأُمّاً لنيرانِ الأسى في فؤادها
لهيبٌ له العينان تَدمى وتدمع
وأنّى لماء العين أن يُطفئ الأسى
تُذكّيه ذكرى غائبٍ ليس يرجع
فيا راحلاً عنا فدتك نفوسُنا
وأموالُنا لو كان ذلك ينفع
فلا خيرَ في هذا الوجود وقد غدا
ظلامًا وكان النور في الكون يسطع
بُنَيّ قد اسودّتْ حياتيَ بعدما
فقدتك هل لي في رجوعك مطمع
أدور بعيني في لِداتك علّني
أرى شخصَك المحبوبَ في النشء يرتع
فيرتدّ طرفي خائبًا ثم أنثني
على كَبِدٍ مقروحةٍ أتوجّع
ونارُ الأسى ترعى فؤاديَ كلما
ذكرتك والأحشاء مني تقطّع
وذكراك يا روحَ الحياة وأنسها
منيرةُ حزنٍ قاتلٍ ليس يُقلع
وأنّيَ يا ريحانَ صدريَ كلما
ذكرتك لا تنفك عينيَ تدمع
بُنَيّ تكلّمْ ناجني أنا منصتٌ
فإنك في قلبي أراك وأسمع
أذقنيَ عذبًا من حديثك علّني
أروّي به روحًا إليك تطلّع
هلمّ إلى صدري أضمّك ضمّةً
لتخبوَ نيرانٌ حَوَتْهنَّ أضلع
هنالك يا سرَّ الحياةِ أُحِسّ لي
حياةً وفي نعمائها أتمتّع
وتصفو ليَ الدنيا وأظفر بالمنى
وإلا فإني راحلٌ ومودّع
أناجيك أشرفْ من سمائك علّني
أرى وجهَك المحبوبَ في الأفق يطلع
أُقلِّب وجهي في السّما مُتنظّرًا
لعل سُتورًا عن مُحيّاك تُرفع
تحفّ به الأملاكُ من كل جانبٍ
ورائحةُ المسك الذكيّ تَضَوّع
يسير بك الجمع الإلهي صاعدًا
إلى جنّةٍ فيها لمثلك مرتع
إلى روضة الولدان والحور والألى
تجلَّوا بتقوى ربهم فتمتّعوا
إلى ساحة الرحمن ربك حيث لا
لُغوبٌ ولا لغوٌ من القول يُسمع
إلى جنة المأوى التي لا يمسّها
فَناءٌ ولا داءٌ هنالك يصرع
بُنَيّ أراني سامعًا صوتَك الذي
عهدتُ فهل في الحق أنيَ أسمع
نعم يا أبي لا تحسبَنّيَ فانيًا
فإن حياة الروح أبقى وأرفع
من الأفق الأعلى أُطلُّ عليكمُ
وبعضُ ستور الغيب عَنّيَ تُرفع
فأسمعُ نجواكم وأفضي إليكمُ
ولكنْ عزيزٌ أن نجواي تُسمع
فأجسادُكم قيدٌ لسمعكمُ الذي
مداه لسلطان الطبيعة يخضع
وقد تسمع النجوى نفوسٌ تجرّدتْ
من العالم الأدنى فلا سترَ يمنع
وها أنت ذا تبدو ليَ الآن صاعدًا
إلى مَسبح الأرواح حيث تَجمّع
فأنت معي في عالم الرّوح فاستمعْ
إلى ما سألقي إنني لك مُسمِع
أبي أوصِ أمّي بالتجلّد والرِّضا
فإني أراها دائمًا تتوجّع
وأنتم بنار الحزن ذابت قلوبُكم
فأدمعُكم من مهجة القلب تهمع
أبي رَفِّهوا عنكم فقد كان ما قضى
إلهٌ حكيمٌ حُكْمُهُ ليس يُدفع
وما هذه الدنيا بدار إقامةٍ
وكلُّ امرئٍ يومًا إلى الله يرجع
بُنَيَّ وددت الصبر لكنْ عزيمتي
أراها من الخطب الأجلّ تضعضع
بنيّ لقد صارت حياتي كلها
مشاهدَ تُذكي نار قلبي فتُوجع
أراك بعين القلب في كل مشهدٍ
شهدت معي إذ كان بدرك يطلع
فذكرى تلي ذكرى وحزنٌ مجدَّدٌ
وحرقةُ أحشاءٍ، وقلبٌ مُروَّع
وقالوا لي الصبرُ الجمل فهل ترى
يردّ قضاءَ الله أنك تجزع
وهلا ثواب الصابرين اذّخرتَه
ليوم حسابٍ حيث لا مالَ ينفع
فقلت لهم والرشدُ عنّيَ عازبٌ
وموطن وعي النصح مني مُضيَّع
أروني مكانَ الصبر كيف يكون لي
سلوٌّ ومني مهجة القلب تنزع
يقولون إن الدمع يُعقب راحةً
ولكنني أبكي وقلبي مُصدَّع
فإن كان في الدنيا دواءٌ يريحني
ويطفئ نارًا في فؤاديَ تلذع
فليس سوى وِردُ المنيّة، إنه
يُبرّد أحشائي وحزني ينزع
فذاك دوائي قرّب الله يومَه
فليس سواه للأحبّة يجمع
هنالك ألقى قرّةَ العين أحمدًا
يُقرّبني من ربّه ثم يشفع
كذلك ألقى أنورًا ومحمدًا
يحوطهما نورٌ من الله يسطع
كذاك بناتي السابقات يطفنَ بي
ويدعون بالغفران ربّي فيسمع
هنالك نحيا خالدين يُظلّنا
نعيمٌ ورضوانٌ من الله أوسع
فيا ربِّ ألحقْنا بهم وتَولَّنا
بعفوك، إنا في رضاك لنطمع