قد سمعنا أنَّ في عصرٍ قديم
جَمَعَ ضأنٍ كان في مرعى يقيمْ
و فَرَت نسلاً بذا المرعى الخصيب
فارغاتِ البال من ليثٍ و ذيبْ
ثمَّ ألوى بمُناهنَّ القدر
و رمى بالسهم فيهنَّ الدهر
دهمتها الأسدُ من آجامها
ناشراتِ الذعر في أيَّامها
آيةُ القوة حكمٌ قاهرُ
سرُّها الظاهر فتح الظافرُ
ضربَ الليثُ طبول النوبة
آخذاً آفاق هذي الثلة
و كسا المرعى بصبغٍ أحمرا
ما سِوى الفَرسِ لدى أسد الشَّرى
و انبرى كبش ذكيٌّ ذو عُمُر
جرَّب الأحداث من حُلو و مرّ
غمَّه ما قد يعاني سربه
من فِعال الأسْد يَدمَى قلبه
أمره أحكم في تدبيره
و هو يشكو الدهر في تقديره
باحتيال العقل يحمي نفسه
كلُّ رِخوٍ ليس يرجو بأسه
قوة التدبير في دفع الضرر
في زمانِ الضعف أقوى و أمرّ
فإذا ما ثارَ للثأر الجنونْ
صار عقلُ العبد خلَّاق الفتون
قال: أمرٌ حار فيه العاقلُ
بحرُ غمِّ ليس فيه ساحلُ
كيف للضأن فأل الأسد
ساعدٌ رِخوٌ و فولاذ يدِ
ليس وعظٌ من بليغٍ قادرا
أن يردَّ الكبش ذئباً كاسرا
لكنِ الليثُ رآه حَمَلا
إنْ سها عن نفسه أو غفَلا
فادَّعى في القوم دعوى مُلهم
مرسلٍ للأسد شُرَّابِ الدم
قال :كلُّ القوم كذَّابٌ أشرْ
غافلٌ عن يوم نحسٍ مستمرْ
جئتُ للناس بشرعٍ مُحكمِ
إنني النور لطرْف مُظلم
عجلوا التوبة عن كل قبيح
و اتركوا الخسر إلى الفعل الربيح
ويح جلْدٍ أُحكمت فيه قواه
نفي الذاتٍ هو إحكام الحياه
علفُ العشب به الروح تطيبْ
عائف اللحم إلى الله قريبْ
حدَّة الأسنان عارٌ مبرَم
بَصَرُ الإدراك منها يُظلمُ
إنما القوة خسرانٌ مبينْ
خُصَت الجنة بالمستضعفين
طلبُ السلطان شرٌّ مستطيرْ
خيرٌ الفاقة من عزّ الأميرْ
تأمنِ الحبة برقاً مُحرقا
و ترى البيدر منه محرقا
ذرةً كُنْ لا كئيباً أفيحا
لتنال النور من شمس الضحى
قل لمنْ يُزهى بذبح الغنم
اذبح النفس بحقٍّ تغنمِ
يقطع السبل على هذي الحياه
قوةٌ فيها و سلطانٌ و جاه
يوطأ العشب فينمو صُعُدا
يفتح الأعين من بعد الردى
أغفلنْ نفسك إما تعقلِ
إنما المجنون من لم يُغفِلِ
اسددنْ عيناً و أذناً و فما
ليجوز الفكر أقطار السما
هذه الدنيا فناءٌ في فناء
إنها وهمٌ فما فيها رجاء
كانت الأسد جهاداً مَلَّتِ
نازعاتٍ نحو عيش الدعة
عن هوى أصغتْ إلى النصح المنيمْ
فدهاها الكبش بالسحر العظيم
كان فرس الضأن من سنتها
فاقتدت بالضأن في شرعتها
جوهر الآساد أضحى خزفا
حين صار القوتُ هذا العلفا
ذهب العشب بنابٍ ذي أشر
أطفأ الأعين ترمي بالشرر
ذلك القلب عن الصدر نأى
جوهر المرآة فيها صَدِئا
فذوى في القلب شوق العملِ
و هيامُ السعي خلف الأمل
ذهب الإقدام و العزم الأليلْ
و السنا و العز و المجد الأثيلْ
برثنُ الفولاذ فيها قد وَهَنْ
و استكان القلب في قبر البدنْ
و نما الخوفُ بنقص المنة
قطع الخوفُ جذور الهمة
كلُّ داءٍ في سقوط الهمم
يجعل الأحياء مثل الرمم
نامت الأسد بسحر الغنم
سمَّتِ العجز ارتقاء الأمم