بمَن أودعَ الطرفَ منك الحَوَرْ
وصيَّرَهُ فتنةً للبشرْ
وسدّدَ منه لأهل الهوى
سهامًا تُفَوَّقُ لا عن وتَر
وكوّنَه نرجسًا ذابلاً
وركَّبه فوق وردٍ نَضِر
وأجرى الرحيق خلال الفضا
ورصَّع ياقوته بالدُّرَر
وزيَّن بالخال صحنَ الخدودِ
وصبحَ الجبين بليل الطُّرَر
وعدّلَ قَدّك غصنًا وفي
هِ غير النوى لم يكن لي ثمر
ترفَّقْ بطَرْفٍ غدا في هواكَ
قليلَ الهجود كثير العِبَر
يبيت ولم يرَ كيف الكرى
ولولاك ما كان يهوى السَّهر
شبيهاتُ ثغرك أعني النجو
مَ تُزري به وأخوك القمر
غدا دمعه سائلاً في هواكَ
ومثلك سائله ما نَهَر
وهَبْني حذرت سهامَ العدا
فمن سهم لحظك كيف الحذر؟
ومن رمح قَدّك أين النجاةُ
ومن سيف جفنك أين المفر
وفي روض خدّك وردٌ فمَن
لطَرفيَ يقطفه بالنظر
وللهجر هل أمَدٌ ينقضي
وللوصل هل موعدٌ يُنتظر
عدمتَ البصيرةَ يا عاذلي
إذا كان قد صَحَّ منك البصر
إلى كبدي انظرْ ودع طَرْفَهُ
فمن ذلك السّيف هذا الأثر
إذا كنت تسأل عن مبتدا
غرامي فعند دموعي الخبر
بديعُ جمالٍ تفوق البيانَ
ووصفُ مبانيه يُعيي الفِكَر
قرأتُ المطوّل من شعره
زمانًا على خصره المختصر
ففيه أضرَّ بجسمي نواهُ
دليلٌ يُرى عنه نفيُ الضرر
ومذ غرّني بعت روحي له
سلوه متى صَحَّ بيع الغَرَر
ومن عجبٍ تمَّ دورُ العذارِ
ولي بعد ذلك فيه نظر
لفرط نحولي إذا زرته
أُريه السّهى ويُريني القمر
وحلو الشمائل مُرُّ الصدودِ
فوا حيرتي بين حلوٍ ومُر
فيا خجلةَ الغصن مهما انثنى
ويا خجلةَ البدر مهما نضَر
سقى الله عهدَ شبابٍ مضى
ولم أقضِ للهو فيه الوطر
ولا خيرَ في اللهو بعد الشبابِ
ولا خير للعيش بعد الكِبَر
وما شيَّب الفَوْدَ مَرُّ الزّمانِ
ولكنه شيّبته الغِيَر
ولمّا مِن الرّكب حان الرحيلُ
وشُدَّتْ نُسوع بناتِ السَّفر
بدت تتثنَّى كخُوط الأراكِ
لتمحو خُطاها بجَرِّ الأُزُر