فرّ «قايينُ» من إله السماءِ
هائمًا في مفاوزِ الصحراءِ
لا بسًا معْ أولاده جلد وحشٍ
حاسبًا ذا الكساء خيرَ كساء
وصلَ الهائم الحزين مساءً
بعد كدٍّ ومحنةٍ وعناء
لجبالٍ في سفحها قام سهلٌ
حيث حلّت ركابه للبقاء
قال أولاده بحزنٍ شديدٍ
فلننمْ طاعةً لحكم القضاء
قد تعبنا من سيرنا فلنقم وَلْ
نَنفِ عنا تجشّمَ الإعياء
نام كل الأقوام لكنما قا
يينُ ما زال ناظرًا في الفضاء
فرأى عينًا عن بعيدٍ تراهُ
وبه حملقت كما الرقباء
قام مذعورًا قائلاً باضطرابٍ
أنا بالقرب من إله السماء
قال هيّا يا زوجتي فلنسافرْ
فلنسافرْ لغير ذي الأرجاء
سار يطوي الفلا ثلاثين يومًا
لا يرى في ذا السير غير البلاء
لا يرى للصواب وجهًا وضوحًا
شاردًا في مجاهل الاَراء
لم يزرْ جفنه الكرى كل هذا ال
وقتِ لم يُمِلْ عينَه للوراء
عندما حلّوا أرض آشورَ قالوا
قد حللنا أرض الصفا والهناء
أين هاتيك العين ليس ترانا
قد وصلنا لآخر الغبْراء
رفعَ الغِرُّ عينه لللأعالي
فرأى العينَ فوقه في العلاء
صرخ الخاطئ الشريد بحزنٍ
قد أصابتني ريثة البرداء
قال أولاده بكل ارتعاشٍ
ما تراهُ في القبّة الزرقاء
إنما الوالد الشقيْ لم يجاوبْ
بسوى الدمعِ مجهشًا في البكاء
قال أولاديَ انصبوا دون مهلٍ
لي خيامًا لصدّ كلِّ ضياء
علَّ ذي العين لا تراني فأنجو
من سهامٍ تغيب في أحشائي
تَمَّموا ما أراده ثم قالوا
هل ترى بعدُ مثل ذي الأشياء
أنت في الأمن والمخاوفُ ولّت
هل ترى شيئًا بعدُ في الدنياء
قال قايينُ خاب ظنيَ إني
أنظر العين بعدُ في العلياء
فبنَوا برجًا من حديدٍ وقالوا
ليس من مَنفذٍ فعِشْ بصفاء
ناعمَ البال لا تراك عيونٌ
ليس تخشى من محنةٍ وشقاء
فأجاب المسكين ها العينُ بانت
أنا ناءيتها وليست تُنائي
قال «قينانُ» فلنشيّدْ بناءً
هائلاً جدّاً يا له من بناء
ليس من يقدر الدنوّ إليهِ
عاليًا سُورُه إلى الجوزاء
وَلْنعمِّرْ مدينةً ذات برجٍ
ما لها في المعمور من أكفاء
كلُّ من يقصد العبور إليها
بات مَردى رماحنا السمراء
شيّدوها من معدنٍ من حديدٍ
فغدت مثلَ بدعةٍ للرائي
ماثلتْها الجحيمُ في كل هولٍ
منظرٌ هالَ يا له من رُواء
كلُّ من مرَّ وسطها دون إذنٍ
يلتقي شرَّ ميتةٍ حمراء
نقشوا فوق الباب حرفًا كبيرًا
«قد منعنا دخول ربِّ السماء»
بعد ما أكملوا البِنا واستراحوا
وضعوا «قاينًا» بوسْط الفِناء
قال بعضٌ منهم هلِ العينُ ولّت
أوَ ما صرتَ آمنًا في الخفاء
قال لا إني لا أزال أراها
فكأني والعينَ خِدْنا إخاء
عندما ضاقتِ الأمور عليه
لا يرى مَفْرجًا على الغبراء
قال فلأجلسْ في المقابر علِّي
ألتقي راحةً قُبَيل فنائي
حفروا تحت الأرض قبرًا عميقًا
قصْدَ أن يجلسَ الشقيْ باستواء
سألوه هل ولّتِ العين أم هل
نزحتْ عنك بعض ذي الأسواء
فأجاب المسكين وهْو هلوعٌ
مُقطبُ الوجه مقلبُ السحْناء
إن صوت الضمير عذّبَ قلبي
إن ذي العينَ لم تزل في الفِناء