أصادف وجهًا في الطرق فيفتنني
كأن الذي أخفاه دهري أبانِي
فأسكت لا أدري أأبدي صبابتي
وقلبي يناديه بغير لسانِ
وأرجف من سر يحرك مهجتي
كأن خفايا الروح بعض كياني
وأبصر في عينيه عمرًا مؤرقًا
كأني به قد عشت قبل زمانِي
فيا عجبًا هل ترتجى الوصل بغتةً
وهل ينبت الآمال غير أمانِ
رأيت به حلمي الذي كنت أرتجي
فأيقنت أن الشوق بدء امتحانِ
فقلت لنفسي مه فإنك خادع
إذا غرك التزيين في كل آنِ
ولكن قلبي مال نحو ضيائه
كأن له عهدًا به في جنانِي
أأغرم من لمح العيون تعلقًا
وهل يبتلى الإنسان دون عيانِ
فإني إذا ما غاب عني خياله
تبدل صفو العيش عيش هوانِ
وإن مر طيف منه في القلب خلسةً
تكسر صبري وانثنى عن عنانِي
أحادث ليلي عن وجيب جوانحي
ويصغي إلي البدر مثل جنانِي
وأشكو له سري فيبكي موافقًا
كأن به مثل الذي بي يعانِي
فما لي إذا ما قيل هذا حبيبكم
تزلزل فكري واعتراه ذهانِي
أأكتم ما بي أم أبيح لواعجي
وقد ضاق صدري من لهيب دخانِي
أخاف على قلبي تقلب حاله
وأخشى فراقًا بعد طول ائتمانِ
فيا ليت شعري هل يدوم لقاؤنا
أم الصدفة الغراء طيف زمانِ
ويا ليت قلبي قبل هذا تهيأ
لوقع الهوى في ساحة الخفقانِ
فإني رأيت الحب بحرًا مخيفًا
ومن خاضه يومًا بغير اتزانِ
تقلب فيه بين شوق ولوعة
وضاع بتيه لا يرى ببيانِ
فإني رهنت الروح عند وصاله
وصرت أسير العهد والإذعانِ
فإن غاب عني ضاع صبري كله
وصرت كسير القلب حيران آنِ
وإن لاح لي عاد الربيع بمهجتي
وأشرق دربي بعد طول هوانِ
أيا ساكنًا قلبي ترفق بمهجتي
فإني ضعيف الصبر والإمكانِ
فما الحب إلا فتنة تتبدى
بثوب الأماني ثم تخفي شجانِي
وما الناس إلا في تقلب حالهم
أسرى ابتلاء دائم وامتحانِ
فإن دام وصلكم فذاك سعادتي
وإن غبتم فالويل من حرمانِي
وإني على ما كان مني ومنكم
سأبقى وفيًا آخر الأزمانِ