لَمَّا أَضَاءَتْ بَعْدَ طَرْقِي عَلَى
أَبَوَابِهَا دَنَتْ وَقَالَتْ: (أَلَا... ؟ )(١)
صَافَحْتُهَا، نَظَرْتُ فِي صَبْوَةٍ
أَكَلْتُهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ أَدْخُلَا(٢)
أَهْدَيْتُ نَفْسِي فُرْصَةً عَلَّنَي
أُقَبِّلُ الْيَدَيْنِ مُسْتَمْهِلَا
يَا لَلنَّقَاءِ كُفُّهَا لُؤْلُؤٌ
خَضْلٌ كَقِنْدِيلٍ بِوَهْجٍ غَلَا(٣)
يَا حَبَّ مُزْنٍ حَوْلَنَا، وَجْهُهَا
شَمْسٌ تُشِعُّ شَعْرَهَا الْأَهْدَلَا(٤)
أَذَابَ قَلْبِي قَمَرٌ سَاحِرٌ
قَالَ: (جَلَا جَلَا) لَهُ وَانْجَلَى(٥)
قُلْتُ: (سَلَامًا يَا مَلَاكَ السَّمَا
قَالَتْ: (سَلَامَاتٌ عَلَى مَنْ سَلَا
حَلَلْتَ أَهْلًا يَا (بْنَ بَطُّوطَةٍ)
يَا ذَا الَّذِي في غَفْلَةٍ جَوَّلا(٦)
غَرَّبْتَ عِشْقَنَا بِغَيْبُوبَةٍ
وسَفْرَةٍ تَخْذْتَهَا مَعْزِلَا(٧)
تَرَكْتَنِي أَهْمِي عَلَى لَوْعَةٍ
والْقَلْبُ مُذْ فَارَقْتَهُ عَوَّلَا(٨)
شَوْقُكَ مَاتَ في النَّوَى الْمَوْتُ فِي
(أَنْدَلُسٍ) وَالنَّوْحُ في (كَرْبَلَا... )(٩)
وكَادَتِ (الْخَنْسَاءُ) مِنْ يَأْسِهَا
تَرْثِي، لِطُولِ نَأْيِهِ، (أَخْطَلَا)(١٠)
سَهَّرْتَ لَيْلِي في انْتِظَارٍ أَلَا
تَشْتَاقُ لِي؟ ) قُلْتُ: (بِرَبِّي بَلَى)
فَكَذَّبَتْنِي وَرَمَتْ تُهْمَةً
ومَا خَيَالُهَا لَهَا خَيَّلَا(١١)
وذَكَّرَتْنِي بِالَّذِي قَدْ مَضَى
وظَنُّهَا مَا لَمْ أَقُلْ أَقْوَلَا(١٢)
وبَعْدَمَا سَاءَلَنِي شَكُّهَا
"لَنْ" طَمْأَنَتْ وَأَنْكَرَتْ "لَمْ" "وَلَا"
قَالَتْ: (كَذَبْتَ هَاجِرِي إِنَّمَا
لِنَفْسِهِ (إِبْلِيسُ) قَدْ سَوَّلَا(١٣)
أَيْنَ أَرَاضِيكَ مِنَ الْوَصْلِ مُذْ
حَلَّ الْتَّلَاقِي رَفَّكَ الْمُهْمَلَا؟
تَحْسَبُنِي سَاذَجَةً؟! أَمْ تُرَى
تَخْدَعُنِي فِي كِلْمَتَيْنِ الْحِلَى(١٤)
أَمْ هَلْ حَسِبْتَنِي فَتَاةً وَلَا
عَقْلٌ لَهَا؟! ) قُلْتُ: (الصَّبَايَا بِلَا... ! )(١٥)
وبَعْدَ أَخْذٍ بِخِنَاقِي عَوَتْ:
(إِلَيْكَ عَنِّي رَأْيَكَ الْأَجْزَلَا)(١٦)
واجْتَذَبَتْنِي مِنْ يَدٍ أَذْعَنَت؛
عَنْ وَقْفَةِ الْبَابِ كِلَانَا جَلَا(١٧)
أَسْلَمْتُ قَلْبِي وَفَمِي هَامِسٌ:
(مَا وَدَّعَ الْقَلْبُ الْهَوَى... مَا قَلَى! )(١٨)
ودَّعَنِي فِي حَسْرَةٍ مِعْطَفِي
عَيَّا أَسِيفًا وَامْتَطَى (الشَّنْكَلَا)(١٩)
أَطَلَّ كَلْبٌ سَاحِبًا قِطَّةً
فَاسْتَغْرَبَا مِنْ دُونِ أَنْ يَسْأَلَا
هَدَّأْتُ مِنْ رَوْعِهِمَا قَائِلًا:
(لَا تَعْجَبَا إِنْ تَجْهَلَاني سَلَا)
فَرَحَّبَا وآلَفَا صُحْبَتِي
ووَجْهُهَا الْخَجْلَانُ قَدْ أَهَّلا(٢٠)
وغُصْتُ في (صَالُونِهَا) مُولَعًا
وأَرْجُلٌ قُرْبًا غَوَتْ أَرْجُلَا
وحَرَّ طَقْسِي مِنْ شَذَا شَمْعَةٍ
كَادَتْ لِفَرْطِ الشَّوْقِ أَنْ تُشْعِلَا
واحْتَفَلتْ مَائِدَةٌ أَصْبَحَتْ
عِيدًا لَنَا وَأَغْدَقَتْ مَنْهَلَا(٢١)
في الْعُشِّ عُصْفُورٌ وَعُصْفُورَةٌ
قَدْ زَقْزَقَا وَضِحْكُنَا جَلْجَلَا
والطِّفْلُ في حَضْرَتِهَا جَائِعٌ
تُرْضِعَهُ حَدِيثَهَا السَّلْسَلَا(٢٢)
لَمَّا قَضَى الْأَوْطَارَ مِنْ نَهْمَةٍ
قَالَتْ لَهُ: (حَاشَاكَ أَنْ تَبْخَلَا)(٢٣)
وفِي يَدَيِهَا حَصَدَتْ لُقْمَةً
وأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُكْمِلَا
وقَهْوَتِي طَلَبْتُهَا سَادَةً؛
إِنْ غَمَسَتْ إِصْبَعَهَا عَسَّلَا
وغَادَرَتْ أَرْنُو لِفُسْتَانِهَا
مُرَاقِبًا قَوَامَهَا الْمُخْمَلَا(٢٤)
مَشَتْ وَلَكِنْ طَيْفُهَا؛ خَلْفَهَا
طَيَّرَ شَوْقَ الْقَلْبِ أَوْ مَرْجَلَا(٢٥)
وقَدْ تَوَارَتْ بِحِجَابٍ كَمَا
رَأَى (سُلَيْمَانُ) عَلَيْهِ السَّلَا... (٢٦)
وطِفْلُهَا مُسْتَنْظِرٌ لَاهِفٌ
حِينَ اشْتَوَى عَلَى جِمَارِ الْمُلَى(٢٧)
في حَلَّةِ الضَّغْطِ دَمِي ثَائِرٌ
غَلَّى بِصَدْرِ الْمُشْتَهِي مِرْجَلا(٢٨)
شَهَوْتُ أَنْ أَعْتَاضَ مِنْ ضِيقَةٍ
تَسْكُنُ بِي رَجَوْتُ أَنْ تُبْدَلَا(٢٩)
وبَيْنَمَا أَبُوحُ لِلْصَّمْتِ إِذْ
قَنَصْتُ فَوْحَ عِطْرِهَا الْمُقْبِلَا
حَتَّى إِذَا بِظِلِّهَا أَوْرَفَتْ
فَنُورُهَا في جَنَّةٍ سَنْبَلَا(٣٠)
وفِي قَمِيصِ النَّوْمِ قَدْ أَوْرَقَتْ
بِلَا خِفَاءِ الْخَصْفِ كَيْ يُسْبَلَا(٣١)
وفَوْقَ عَاجِ الْكِتْفِ شَالٌ عَلَى
زُحْلُوقَةٍ يَعْتَادُ أَنْ يَنْزِلَا(٣٢)
وأَوْهَجَتْ ظِلَّ جُفُونٍ وَمَا
أَحْلَاهُ مِنْ بَنَفْسَجٍ حَفَّلَا! (٣٣)
والُّلؤْلُؤَانُ حَوْلَ أَحْدَاقِهَا
ودًّا يُنَاغِي طَرْفَهَا الْأَكْحَلَا(٣٤)
وشَعْرُهَا الطَّوَّافُ في رِحْلَةٍ
مَوْجٌ يَعُمُّ خَصْرَهَا الْمِغْزَلَا(٣٥)
وطُفْلُهَا بَيْنَ الْمُحَيَّا الْتَقَى
زَهْرًا... شُمُوسًا... ضَيْعَةً... جَدْوَلَا
وأَحْمَرُ الشِّفَاهِ في الثَّغْرِ قَدْ
أَهْدَى لَهُ مِنْ كَرَزٍ مَشْتَلَا
وبَانَةٌ مَالَتْ (بِصِينِيَّةٍ)
والْبُنُّ في فِنْجَانِهِ هَلَّلَا
وشَعْرُهَا مِثْلُ الْجَنَاحَيْنِ فِي
مَطَارِدِ الْفَرِيسَةِ اسْتَرْسَلَا(٣٦)
ومَادَتِ الْأَمْوَاجُ في مَدِّهَا
وطِفْلُهَا بِكَفِّهِ مَنْدَلَا(٣٧)
وأَرْنَبَاهَا أَنْهَدَا هَوْدَجًا؛
كَادَا؛ لَهُ، أَنْ يَهْجُرَا الْمَحْمَلَا(٣٨)
وأَسْدَلَتْ نَظْرَاتِهَا بَيْنَمَا
عَيْنِي لَهَا الْمِعْرَاجُ نَحْوَ الْعُلَا
وآهِ مِنْ عَيْنَيْ مَهَاةٍ إِذَا
سَاءَلَتَا عَيْنَيَّ؛ أَنْ عَلِّلَا(٣٩)
عَلَيْهِمَا غَلَّقَتَا لَاحِقًا
بَابَهُمَا وَقَالَتَا: (عَجَّلَا)
والطِّفلُ قَابِضٌ عَلَى جَمْرِهِ
يَفْتَحُ مِنْ لُغْزِهِمَا مَنْدَلَا(٤٠)
سِوَاهُ فِي الْأَضْغَاثِ أَوْ هَلْجِهَا
مَا عَبَّرَ الرُّؤْيَا وَمَا أَوَّلَا(٤١)
تَسَحَّبَتْ بَيْنَا مَضَتْ قَهْوَةٌ
والدِّفْءُ أَنْهَى رَشْفَنَا الْأَهْيَلَا(٤٢)
والْعَاشِقُ الْأَعْمَى لِمَحْبُوبَةٍ
يَرَى بِهَا عَادِيَّهَا مُذْهِلَا
عِشْقٌ ضَرِيرٌ وَالْفَتَى غَارِقٌ
عَنْ بَحْرِهِ هَيْهَاتَ أَنْ يَرْحَلَا
كَيْ تُنْقَذَ الْغَرْقَانَ في عِشْقِهِ
عَلَيْكَ أَنْ تُمِيتَهُ أَوَّلَا!
تَسَاتَلَتْ هَوْنًا بِأَنْفَاسِهَا
وسَيَّرَتْ رَسُولَهَا الْمُرْسَلَا(٤٣)
وطَارَدَتْنِي كَطِرَادٍ إِذَا
مَا لَاحَقَتْ سِنْجَابَةٌ قَسْطَلَا(٤٤)
تَغَلْغَلَتْ وَأَغْمَضَتْ عَيْنَهَا
والثَّغْرُ قَيْدُ النَّارِ مَا قَبَّلَا
هَمَمْتُ تَقْبِيلًا وَلَكِنَّنِي
لَمْ أَسْتَطِعْ كَشَاعِرٍ أَجْبَلَا(٤٥)
أَرَدْتُ قَطْفَ الثَّغْرِ وَالشَّوْقُ لَمْ
يَأْلُ اجْتِهَادًا، وَاشْتِهَائِي أَلَا! (٤٦)
يَا حَسْرَةً عَلَى زَمَانٍ بِهِ
فَمِي لِمُشْتَاقَتِهِ أَجْزَلَا! (٤٧)
كُنْتُ بِهِ رَبَّ هَوًى مُجْرِمٍ
إِنْ قِيلَ: (مَنْ؟ )؛ أَجَبْتُ: (نَحْنُ الْأُلَى)
كَانَ فَمِي الخَلَّاقَ في قِصَّةٍ؛
يَكْتُبُ فِيهَا فَصْلَهَا الْأَجْمَلَا
مُطَاوِعًا لَمْ يَجْتَرِئْ نَجْمُهُ
في الْيُسْرِ أَوْ فِي الْعُسْرِ أَنْ يَأْفُلَا
مُسْتَأْذِنًا فِي لَحْظَةٍ؛ فُتُّهَا
مُغَاضِبًا أُنْفَى لِبَيْتِ الْخَلَا... (٤٩)
لُذْتُ بِرُكْنٍ شَارِدًا رَاجِفًا
مِنْ شَبَحٍ بَيْنَ الْمَرَايَا اخْتَلَى
وحُمْتُ مَا بَيْنَ الْمَرَائِي أَرَى
مَشَوَّهًا مُنْكَسِرًا أَخْزَلَا(٥٠)
ومَاجَ ذِهْنِي، فَارَ تَنُّورُهُ
مُسَائِلًا؛ مَنْ ثَلَمَ الْأَنْصُلَا؟! (٥١)
يَا نَكْسَةَ الْمَرْبُوطِ، يَا قَلْبُ مَنْ
صَاغَ لِرُوحِي عَمَلًا مُقْفَلَا؟! (٥٢)
مَنْ كَفَّ عَنْ ثَغْرِي حَمِيمِيَّةً
ومَنْ أَصَابَ مِنْ فَتًى مَقْتَلَا! (٥٣)
مَنْ سَلَّ مِنْ عُمْرِي الْغَرِيرِ الصِّبَا
تُرَى بَلَغْتُ عُمْرِيَ الْأَرْذَلَا! (٥٤)
أَبْلَى كَأَّنِي بَشَرٌ كُهْنَةٌ
جَرَّبْتُ أَنْ أَكُونَ مُسْتَعْمَلَا(٥٥)
مِنْ فَرَسٍ عَبْلِ الشَّوَى رَامِحٍ
لِعَالَةٍ مَا اسْطَاعَ أَنْ يَصْهِلَا(٥٦)
فِي دُهْمَةِ الْأَفْكَارِ قَدْ دِيرَ بِي
في صُبْحِ عِشْقٍ أَمَلِي أَلْيَلَا(٥٧)
سَمَعْتُ طَرْقَاتٍ عَلَى غِرَّةٍ
تُخْرِسُ ذِهْنَ الْكَامِدِ السَّأَّلَا(٥٨)
ومِنْ وَرَاءِ الْبَابِ عُصْفُورَتِي
نَادَتْ عَلَى مَنْ يَعْتَرِيهِ الْبَلَا... (٥٩)
تَزَمَّلَتْ بِالْهَجْسِ وَاسْتَأْذَنَتْ،
في أَدَبٍ، عَليَّ أَنْ تُقْبِلَا(٦٠)
أَهَالَ في رَأْسِ الْفَتَى صَوْتُهَا
ثَلْجًا وَصَبَّ فَوْقَهُ (جَرْدَلَا)(٦١)
تَمَاسُكًا أَبْدَيْتُ فِي فِرْيَةٍ،
فَاحْتَضَنَتْ (عَنْتَرَهَا) الْهَيْكَلَا(٦٢)
ضَمَّتْ لَهَا أَحْزَانَ قَلْبِ الْفَتَى
ورَأْسُهُ في صَدْرِهَا أَدْغَلَا(٦٣)
ومَسَّحَتْ وَطَيَّبَتْ خَاطِرًا
ورَأْمُهَا فِي طِيبَةٍ دَلَّلَا(٦٤)
قَالَتْ: ((فِلَسْطِينُ) وَمَنْ غَيْرُهَا
أَدْمَتْ فَتًى وَجُرْحُهَا مَا انْسَلَى(٦٥)
قَلْبُكَ في (غَزَّةَ) مُسْتَوْطِنٌ
وذَا الَّذِي لِرَغْبَةٍ كَبَّلَا
مَشَاهِدُ التَّقْتِيلِ قَدْ أَحْزَنَتْ
صَبًّا لِذَا أَوْجَسْتَ أَنْ تَأْكُلَا(٦٦)
أَمَاتَ قَلْبُ الصَّبِ رُوحَ الْهَوَى
مُكَفِّنًا مِنْ بَعْدِ أَنْ غَسَّلَا
يَقْسُو عَلَيْكَ سَيِّدي أَنْ تَرَى
عِصَابَةً تُقَتِّلُ الْأَعْزَلَا)
فَقُلْتُ: (لَمْ أَقْوَ عَلَى مِحْنَةٍ
أَعْزِزْ عَلَيَّ بِالُّلقَى الْمُبْتَلَى)(٦٧)
ووَدَّعَتْ قَائِلَةً: (إِنَّنِي
شَرَيْتُ مِنْكَ الْبُعْدَ مُسْتَقْبَلَا
خُطِّيَ عَنْكَ الْعِشْقُ في أَزْمَةٍ
والدَّاءُ يَا (أُسَامَةُ) اسْتَفْحَلَا(٦٨)
خُذْ فُرْصَةً بِهُدْنَةِ الْبُعْدِ خُذْ
(لِغَزَّةَ) الْعِشْقَ وَلَا مُشْكِلَا
لَا حَيَّ عَنْ تَضْحِيَةٍ؛ لَا تَزَلْ
مُسْتَمْسِكًا بِهَا وَمُسْتَجْمِلَا(٦٩)
لَا تَقْتَرِبْ مِنِّي؛ أَنَا فِتْنَةٌ
وإِنَّنِي لِلْإِنْسِ دَارُ ابْتِلَا... ! )(٧٠)