ضخم البنية وطويل وذو هيبة.. سقطت حوله أشجار كثيرة وأحاطت به بحيث لم يستطع الخروج منها؛ لم يصرخ بصوت عال بل وقف صامتاً وشاح بعباءتهِ بنية اللون كأنما هي جناحي صقر امريكي... تبسم ضاحكا واستبشر خيرا. وجذوع الأشجار الكبيرة مغلقة طريق الخروج؛ حتى لو كان هناك مخرجا وطريقا لخروجه فإن كبريائه يمنعه ويرده، وهناك فعلا مخرج صغير قد يستطيع هذا الشامخ أن يسلكه، وكان المخرج ضيقاً، وكان الرجل الشهم ضخما كبيرا، ويصعب تجاوز ضخامته في هذا السبيل الصغير الضيق... وتنفس ضاحكاً واستبشرَ خيرا... وجَّلَ الليل فكان الظلام كرداءِ امرأةٍ جالت بقميصها لتغطي جسدها تهيُئًا للصلاة.. وسكن الليل، ونوَّرَ الظلام المكان، والرجل ذو الهيبة واقفٌ على قدميه الضخمتين كأنهما جذعُ نخلةٍ عربيةٍ قرشية نجدية شمالية جنوبية شرقية وشريفة، وعباءتهُ تلوح فوق جسده الهائل، تغطي بعضا وتترك البعض الآخر للظلام يغطيه، وفي مكانه هذا وسط المدينة صخب الحياة يطغى على كل شيء.. ذلك مشغول في عمله، والآخر يبحث عن رزق لعياله، وتلك تتجول في الطريق متجاوزة كل البشر.. وهو واقف وحيد لا يكتفي بالسكوت بل ران على قلبه الهدوء و تعطفت حوله السكينة.. وسمعت بعض الحيوانات المفترسة الشريرة عن خبر احتجازه بين الاشجار... وتناقلت الخبر وزادت عليه بكذبات لم ينزل الله بها من سلطان... وكان الشيطان ضعيفاً...
واجتمع الغجر والمجر والروم والفرس والمجوس والصرب والصعاليك الحديثة والمشردين والمتشردين والضالين والمضلين وأرباب الحانات الصغيرة وشرذمةِ الآفاق وعلج الأمصار، وساد الغضب بينهم، وتجاوزوا الأخلاق في أخبارهم، منهم من يقول سقطت الاشجار وتريد قتله، وآخر يتباهى بالتلفيق والتزوير ويقول ان الأشجار وجذوعها قد تحدثوا: أن الرجل الضخم ذو الهيبة قد حبس عنا الماء وقطع أطرافنا بمنشار كهربائي كآن يستخدمه... ثم بكت الأشجار وسقطت دموع الأغصان... وصاغت الحيوانات كتابها وزخرفته واستلمته بشمالها فكان وباء وسوء منقلب عليها وعلى تزويرها... وتقدمت آكلة اللحوم وفي مقدمتهم الخنزير البري بقرنيه المتعرجين، وخلفه تمساح غليظ الفك فاغر فاه يتقدم زاحفًا نحوهُ، وجمعٌ من القرود الجبلية أكلة القمامة والجيف تتأهبُ للهجوم، وضباع تقودهم ضبعة ذات طول فائق ونظرة خيلاء وتكبرٍ وغرور كأنما تبلغ عنان السماء وما هي بالغته، وعلى يمينها زوجها المترهل الساقط جلده من كبر السن وسوء المنقلب، وعلى شمالها ابنها الضبع المُراهق، نحيف حتى لا تكاد ترى ذيله، وابن اوى كان وحيداً بينهم ولكنه ايضا اراد اللقمة الكبيرة، وحشرات سامة وعقارب وثعابين برية صحراوية سوداء اللون تقتل بنظرتها كل طيب على الأرض، والضخم الشهم يقف شامخا يلوح بعباءته العربية الاصيلة ويهش بها على الحشرات الطائرة التي تحوم حوله تبحث عن أذيته وهو لا يتأذى منها.
وشاع الخبر وتناقلت الحيوانات وجود الرجل الضخم الشهم محجوزاً تحت وطأة الأشجار، ضنا منهم انها الواقعة، وقد حان وقوعه واسقاط أرضه وبلده وحكمه وتفتيت شعبها ورجالها، ولا يعلمون أن المكر السيئ يسوء على أصحابه، وكانت الأخبار قد تناقلتها الافاعي بفحيحيها المزعج عبر قنواتها ومنابرها الهشة الصغيرة حول العالم، وهاهي الفرصة تظهر امام الجميع، حان لنا أن نقف عثرة أمام هذا الرجل الشامخ ونشتتهُ ونضغط على الاشجار لكي تخدشه وتقتل سمعتهُ، وسمعتهُ هي ما يملكه وما مالك، وضاقت الدنيا بهم جميعاً، وكل المدن البعيدة تتحدث عن احتجازه وسقوطه في جريمة، والأشجار لا تعلم للجريمة مكاناً ولا حتى جذورها الطويلة الشاخصة في اعماق الارض... وشاع الخبر بين أبناء هذا الرجل الشامخ وما أن تنفس الصبح حتى أصبحت كل الحيوانات القاتلة على مقربة من الأشجار وأنيابها الغادرة تتقاطر حسدا وحقدا وخوفا، فهي تقترب تارة وتشيع بين أعوانها ان النصر قادم وان الرجل ساقط وأن الأرض من بعده هي للجميع يتقاسمونها كيفما يشاءون، وتارة أخرى تتراجع وتتقهقر وتنبح خوفاً ورعبا ككلاب مسعورةٍ أحاطت بها قبيلة من الذئاب، حتى خرج نور الشمس وظل الرجل الشامخ يغطي المكان، وخرج من بين عباءته العربية الأصيلة جموع من الأسود الشاخصة والصقور الجارحة وهي تحمل بين يديها مصحفاً وقلماً وتتحدث بالحجة تلو الأخرى، وكان الصراخ قويا.، والنباح من خلف الأشجار عالياً صوته وصداه يموج بالافاق ولكنه حينما يصل للأشجار يترنح كرجل ثملٍ اكثر الخمرَ فسقط على وجهه في غمامة السكرةِ، واستمر النُباح وزادت الطعنات ولكنها كانت كالفقاعة تكبر وتغطي المكان وما أن يصفعها أحدهم من بين المشلح العربي الاصيل حتى تتلاشى وكأن شيئا لم يكن.
ويتكسر الموج الهائل القادم من جميع أصقاع الأرض أمام صدق الصرامة ورصانة اللسان وقوة الحجة ورتابة اللغة وبلاغة الحديث وقدسية المكان فتنجلي وتعود أدراجها خائبة كزبد البحر الهائج ولونه المائج ونهايته على الشاطئ الهادئ، وكان الانتصار حقا، وتقطعت الأشجار وماتت الأوراق وجفت الأغصان، ويشاء الله امرا كان مقضيا، ويجتمع الرجل الشهم بأرضه ورجالها ونساءها وزئرُ نصرهم يصدح بالمكان، صوتهم أرعب الحشرات الطائرة و تقلصت الأصوات النابحة، وبقي هناك في آخر الحي في بقعة صغيرة صوتٌ لكائن لا نعرف له اسما، كأنهُ ابهام الإصبع اليُسرى مكسورٌ ظفرهُ ومكسورٌ ظهرهُ، ينبح وحيداً وصوته يضعف رويدا رويدا حتى أصبح صراخه صامتاً، سادَ النباح ركوناً وبحث عن ركن يؤيه فوجد جدار يريد أن ينقض فهدهدَ صوته عليه فسقط الجدار ومات الصوت ومات معه نباحه، وخرج الرجل الشهم من بين الأشجار وتعالت أصوات الفرح والانتصار وانطلق للعالم يبهرهم بقوة مكانته وقدسية أرضه و طموحه وأحلامه التي طمست كل زيف، واستمر في الازدهار، ولكنه يعلم الآن أن الطريق أمامه طويلة والوصول للهدف يتبعثر بحجار وعثرات قد تعرقله قليلاً ولكنه يثب عنها متحدياً كل الصرخات الحاقدة والحاسدة والحمقاء.