تخطَّ إلى المحتوى

واحر قلباه كم في القلب من كمد

غير معروف

٣٨ بيت

المتفرقات

واحرَّ قلباه كم في القلب من كمد

وللفراق لهيب النار في كبدي

باتت دموعي على خديَّ ساخنة

وبات في القلب جمرٌ ليلة الأحد

سهرت أنتظر الأخبار مجتهداً

وما دريت بأن الموت صبحَ غد

فجعت لما تهاوى سقف أسرتنا

واحرَّ قلباه يا ذخري وملتحدي

أسير في الدرب والذكرى مؤرقة

والنفس تجنح للتكذيب والفَنَد

حتى وصلت فهاجت كل زاوية

بالذكريات بلا وزن ولا عدد

ما زال في ناظري مرآه مبتسماً

كأنما القمر الوضاء لمسُ يدي

ما زلت أسمع صوت الحب في أذني

كما نلذ بصوت الطائر الغرد

ذكرته قائماً أو قاعداً وأنا

لديه كالطفل لا يقوى على أود

ذكرته باسماً أو غاضباً وله

من الجلالة ما يغنيه عن مدد

ذكرته ولظى الآهات يبعثها

وما درى أنها تنساب في كبدي

ذكرت همسته نجوى يحدثني

أو واعظاً بصحيح المتن والسند

نهر من الطيب فاضت منه ذاكرتي

منافعٌ كله ما فيه من زَبَد

ونمت يا شامخ العرنين وانطفأت

أنوارنا، وبدأنا رحلة السَهَد

وقفت أستمطر النجوى وبي أمل

لهمسه وحديثٍ منه منفرد

ضممته ملء صدري إذ أودعه

ضم الحبيبين ملهوفٍ ومفتقد

غسلته بدموعي والشجى كفن

شيعته بدعاءٍ في الفؤاد نَدِي

قبلته وشفاهي من تشوقها

تكاد تنفث من روحي على الجسد

ناديت يا أبتي والصوت مختنق

فما سمعت سوى صوتي ولم يزد

فلم تجبني وطال الصمت يا أبتي

وكنت منتظراً... لبيك يا ولدي

سكبت دمعي وأنفاسي، وضعت يدي

أيقنت أني على وعدٍ مع الكمد

حملته فوق أكتافي أشيعه

إلى لقاء الرحيم الواحد الصمد

دفنته في فؤادي قبل مَدْفَنِه

وصغته صورة للحب في خلدي

عدنا نجرُّ الخطى والعين شاخصة

إلى الثرى، فحبيب القلب لم يَعُدِ

عدنا ويسألني الأطفال في دهش

هل غاب جدي ورمز العز والسند؟

لا يا حبيبي فما غابت مآثره

فحبه بين أضلاعي إلى الأبد

ذهبت أنظر في المرآة كيف أنا

بعد الفراق، وقد أمسكتها بيدي

رأيت طفلاً كبيراً في ملامحه

جهد الحياة كبيتٍ دونما عمد

رأيته بهموم الأرض متشحاً

يلوذ بالصمت أحياناً ولم يَكَدِ

آمنت بالله فالدنيا لنا سفر

نؤوب من بلد أدنى إلى بلد

هنا حياة لنا صغرى منغصة

هنا ابتلاء لمعنى الصبر والرَّشَد

فمن نجا عاش في الجنات مبتهجاً

ومن هوى فإلى قاعٍ ومُتَّقَد

يا واسع الفضل أكرم بالجنان أبي

أسبغ عليه وضاعفْ أجره وزِدِ

فكم دعاك بجوف الليل مبتهلاً

وجسمه نَاءَ بالآلام في جَلَد

وكم يسابق في الخيرات مجتهداً

فهب له يا إلاهي أجر مجتهد

ما مات حتى عفا عن كل مظلمة

وقد خلا القلب من غلٍ ومن حسد

فجُدْ له بجميل العفو يا أملي

واغسل خطيئاته بالثلج والبَرَد

واجعل لنا في جنان الخلد مجتمعاً

على الأرائك في بحبوحة الرَّغَد