مع اللَّيلِ أُصْغي إليه يحومُ حَوْل الدِّيارِ ويغْزو الحديقَهْ
ومن ثُقْبِ بابي أراه يسيرُ عَلى العشْبِ في خطواتٍ رقيقهْ
ويُبعدُ عنه أَكُفَّ الغصونِ وقد طَوَّقَتْ في عنادٍ طريقَهْ
ويقرصُ خدَّاً لزنبقةٍ . . ويُغمضُ أعينَها المستفيقَهْ
ويَحنو على الفُلِّ في فرحةٍ ، ويعبثُ حيناً بصدرِ الشقيقَهْ
ويحضن أذْرُعَ لبْلابةٍ .. تَمطَّت أمام الفضاءِ ، طليقهْ
هناكَ على مقعدٍ من رخامٍ ، أرى الضيف تحت ظِلالِ الشجر
ولا شيء يؤْنس وحدته .. سوى الليل في صمته ، والقمرْ
ونبْشة طيرٍ عصَاه الرّقاد ، وأنّات عُودٍ هوى ، يحتضر
ويعلو النداء عميقاً رهيباً ، كصوت السماء ، كصوت القدَرْ
تعالي إليّ لكي تسْعدي .. فإني الحياة لكل البشَرْ
وإن لم تَجيئي سآتي أنا .. وفي كُلِّ ليلٍ هنا .. أنتظرْ
وأنسى السِّنين وعبء السنين ، وأنشُد لحنِي وأشْعَاريا
وألبس ما عَزّ عندي وراقَ ، وأعقص شَعْرِي بِمرآتيا
وأملأُ كأسَ الغريب بشَوْقِي ، وأملأُ كأسي بأحلاميا
ومن ثُقْبِ بابي أرَاهُ أَمامي .. فيهْبطُ قلْبي لأقداميا
وتبدأُ حربُ الصِّراع الرهيبِ ، وَأُحكم إغلاق أبْوَابيا
ويرجعُ ضيْفي بغيرِ لقاءٍ .. حزيناً ، ويهجر بستَانيا
وفى الصُّبْحِ أفتحُ بابي الكبير ، وعبْرَ الحديقةِ أقفو خُطاهْ
فيَهمس غصنٌ إلى جارِهِ ، وترنو الخمائلُ لي في انْتباهْ
وتبدُو الحديقة في زَهْوِها ، قد اسْتَقبلتْ في الظَّلامِ إلهْ
فمن كلِّ ركْنٍ تَهادى عليه ، وفي كلِّ وجه نباتٍ رآه
يشعُّ ضياءٌ .. ويسري عبيرٌ ، وتدفقُ من جانبيهِ المياهْ
فأذكر أني سمعتُ الغريبَ ، ينادي " أنا الحب.. إنِّي الحياهْ"