مرايا تسهو عن وجهي
قبل مجيئي لم يكن الضوء،
بل خالج الفراغَ ارتباكُه القبلي
على زجاجٍ ناعس،
يبحث عن وجه يعيده إلى اسمه.
لما حطني سيل الصدفة هناك
في مقهى المساء الهادئ،
أخذت أعد العابرين
كما تحصي المرايا أنفاسها في سكون.
كان كل وجه يترك ظله في فنجان القهوة،
ثم يمضي،
ويترك دفء صوته معلقا في البخار.
المدينة تتدلى من المصابيح،
والليل يتعلق بثوب امرأة تمشي،
كأنها لا تدري أن الهواء يكتبها.
السياب يطل من نافذة الغيم،
يبحث عن مطر في المرايا العالقة في العدم،
وأدونيس يضع جمر القصيدة على الزجاج.
أنسي الحاج يهمس من بعيد:
"حتى الانعكاس يشيخ حين لا يجد وجها يصدقه."
ويرد عليه درويش:
" لا وجها لمرايا الضياعِ غير هذا الاندحار الشجاع."
وعلى الأرصفة،
تتدلى الإعلانات كأنبياء مزيفين،
كلها تعد بالخلاص،
ولا تمنح غير وهج يختنق في النيون.
يا وجهي المنكسر في واجهات المتاجر،
كم مرة اشتريتَ ملامحك
ولم تجد المقاس المناسب لحزنك؟
الغيوم تمشي في العيون،
والبحر يعيد ترتيب وجوهه
في كل موجة كأنه يصلي.
كل كأس على الطاولة مرآة لغياب ما،
وكل نظرة نافذة تطل على الداخل.
الناس يسيرون كظلال متأخرة،
يحملون في جيوبهم صورا
لم يعودوا يشبهونها
لم يعودوا يعرفونها
ولا يأبهون بها.
وأسمع رنين الزجاج يتكلم:
"أنا الذاكرة التي لا تمسك تفاصيلك،
أنا الخاتمة التي تكتب بدايتها كل صباح."
الأطفال يضحكون،
ولا يرون أن انعكاسهم
يحمل تجاعيد المستقبل.
على واجهة المطر
تكتب الرياح مذكرات الضوء:
كل قطرة تتهجى اسما لا نعرفه.
العاشقون يتبادلون نظراتهم،
وحين يرحلون،
يقتفي الزجاج نسيانهم.
وأرى البحر داخل كأسي
يجر مد التمني،
والأفق على مائدة من فضة،
أمد يدي فألمس الغياب.
يا مرايا المدينة،
متى تعيدين إليك وجهك الحقيقي؟
لقد أرهقك أن تكوني شاهدة على الزوال
والذبول.
ها هو الزمن يمر،
لكن الصور تبقى مقيدة كحلم مبلل،
تقاوم موتها باللمعان.
أيتها المدينة،
كم من العيون سكبت على أحجارك!
كم من الحنين التصق بزجاجك ولم يُمحَ منذ الفتح الأول!
في آخر الضوء،
تظهر وجوه لا أحد يعرفها،
كأنها أرواح الزجاج نفسه،
تبحث عمن رآها ذات مساء
في انعكاس عابر ونسي.
وفي اللحظة الأخيرة،
حين ينام النيون على أكتاف الريح،
أرى وجهي في زجاجٍ آخر
وأفهم أنني كنت دائما
صورة تحاول أن تسترجع لقطات من حلمها الأول.