إلى اللّه أشكو ما أُجمجمُ في الحشا
ورَيْنَ فؤادي واكتساب جوارحي
علمتُ فلم أعملْ بما قد علمتُهُ
وضيَّعت عمري في ارتكاب القبائح
وأفنيتُ عمري في متابعةِ الهوى
وجلبِ مضرّاتي ودفع مصالحي
ولم أتَّعظْ يومًا بوعظٍ لواعظٍ
ولا بمشيبٍ فوق رأسي صائح
وتبتُ كثيرًا باللسان ولم أتب
بقلبٍ تقيٍّ صادقِ التوب ناصح
كأنيَ لم أسمع بما قد علمته
من الأمر والتحذير لي والنصائح
وعلمي بحالي لم يفدْني تَوقِّيًا
لذا الحال كلا لا ولا كسب صالح
فأيقنت أني عَبْدُ سوءٍ قَدِ احْتَوى
عليه هواه بارتكابِ الفضائح
وأنِّيَ لم يجنِ امرؤٌ كجنايتي
وأنيَ ذو ثقلٍ من الوِزر فادح
وأني شرُّ المسلمينَ جميعِهم
لكسب فؤادي واكتساب جوارحي
وأنْ ليس لي منجىً ولا ليَ ملجأٌ
سوى ربّيَ المنّان مُسدي المصالح
فلو كشف الرحمنُ غَيْبيَ للورى
وأبرزَ ما كنَّفتُ بين جوانحي
لطرَّدني أهلُ المدائنِ والقُرى
وأهلُ البوادي والرُّبا والأباطح
ولكنَّ ربّي ليس يصرف سترَهُ
وألطافه عن عبده ذي القبائح
فربِّيَ غفّارٌ عفوٌّ مهيمنٌ
رحيمٌ بكل الخَلْق خيرُ مُسامح
ولولا خَشاتي من عذابٍ مؤبّدٍ
وسوءِ مصيرٍ في القيامة فاضح
لأهلكتُ نفسي عَمْدَ عينٍ مجاهرًا
ومزّقتُها فعلَ العدوِّ المكافح
فقد أوردتني كلَّ موردِ ضيعةٍ
وقد عوَّقتني عن جميل مصالحي
فيا ربِّ سترًا لا يزول وتوبةً
نصوحًا وكفِّرْ ما اجترحتُ وسامح
ووَقِّفْ جَناني والجوارح دائمًا
لقفو المقفّى وامتثال النصائح
وكرِّهْ إليَّ الكفر والفسق والخنا
وحَبِّبْ إليَّ البِرَّ واهدِ جوارحي
ولا حولَ لي رَبّي ولا لِيَ قوةٌ
بغيرك يا أللهُ فاسترْ فضائحي
وليس اقتحامي للمآثم دائمًا
بحسن اعتقادي منك ربّي بقادح
فقد غرّني الإنعامُ والحلم دائمًا
على ما اقترفتُ من خفيٍّ وواضح
وعمّتْ عطاياك الخلائقَ كلَّها
تخصّ بجنسٍ صالحيهم وطالح
وعوَّدتَني السترَ الجميل مع الجدى
بمرِّ الليالي بين غادٍ ورائح
فدُمْ لي على ما اعتدتُ منك تفضُّلاً
ورفقًا بعبدٍ عن مدى الرشد جانح
سوى أنه يرجو رشادًا مقيّضًا
من الله منا دون شَوْب القوادح
ولم يتّخذْ ربّاً سوى اللّهِ وَحْدَهُ
ولم يكُ ذا قلبٍ إلى الإثم جانح
ولكنَّ حكمَ اللّهِ حتمٌ وسابقٌ
فليس بمُجدٍ فيه كدحٌ لكادح
ولست وإن كنت المسيءَ بيائسٍ
من العفو والغفران يا خيرَ فاتح
وإني من ذنبي وإن دام جازعٌ
وإني بغفران العليْ جدُّ فارح
وإن لم تُداركني فإنيَ هالكٌ
لحالي جديرٌ أن تنوح نوائحي
فلا تُخزني يومَ الجزاء فإنني
عُبَيْدُكَ يا رحمنُ فاسترْ قبائحي
وصلِّ على ذخري ومُنزل حاجتي
مَحلِّ قضا الحَوْجا وطرد الجوائح
محمَّدٍ المختارِ من نسلِ آدمٍ
وصفوةِ خلق الله من كل صالح
وأصحابه والتابعين ومقتفٍ
سبيلَهمُ في دينهم والمصالح