أضاءَ البدرُ حينًا ثم غَابا
وأُودعَ بعدَ عِزَّته التُّرابا
فأظلمتِ الدُّنا غبَّ ائتلاقٍ
وأرْخَتْ فَوقَ طَلعَتها النِّقابا
وسادتْ وحشةٌ وسرى سكونٌ
رهيبٌ يَمْلأُ القلبَ اضطرابا
وباتَ النّاسُ في فزَعٍ وذُعْرٍ
حَيارى اللبّ قد فقدوا الصَّوابا
عزاءً أمّةَ الإسلام إنّي
رأيتُ عزاءَنا يُذكي العذابا
أُصبْنا بالصّميم وليتَ أنّا
قَضينا قَبْلَ أن نلقى المُصابا
فقدْنا البدرَ في ليلٍ بهيمٍ
ولم نعهدْ له عَنَّا غيابا
وزادَ شقاؤنا لمّا عرفنا
بأنَّ سماءَنا مُلِئَتْ ضَبابا
أ «بدرَ الدينِ» كيفَ رَحَلْتَ عَنّا
وما عوَّدتنا إلا اقترابا
وهلْ لكَ عودةٌ أم أنتَ تنوي
رحيلاً لا نرى منه إيابا؟
أَلا يا للْمُصيبةِ في حبيبٍ
فقدْنا فيهِ آمالاً عِذَابا
ليبكِ العِلمُ طَودًا زالَ منهُ
وأزمعَ دون ما عَوْدٍ ذهابا
جهِلنا قبلَ فقدِكَ ما الرّزايا
ولم نحسبْ لطارئةٍ حِسَابَا
ولَمْ نكُ نعرفُ الأحزانَ يومًا
وإن كنّا تعوّدْنا الصِّعابا
فلمّا أَنْ نعَى النّاعي شَعَرْنا
بأنَّ القلبَ يضطربُ اضطرابا
وديرَ بنا إلى أن خِيلَ أنّا
سُكارى الرّاحِ قد عشقوا الشّرابا
وسالَ من العيونِ الدّمعُ سَحّاً
قويَّ الفيضِ ينسكبُ انسكابا
فيا لكَ مشهدًا لو أن قلبًا
من الجلمودِ شاهدَهُ لذابا
أصابَ المسلمينَ اليومَ خَطْبٌ
وكمْ من قبلهِ خَطْبٌ أصابا
تَوالَى النّائباتُ بكلِّ قطرٍ
وتغْرِزُ كلَّ يومٍ فيه نَابا
فهل وعظتْهمُ تلكَ البلايا؟
وهل وجدتْ لها منهمْ جَوابا؟
وهل قَنعُوا بها لهمُ جزاءً
ودرسًا قاسيًا يُضفي الوِطابا؟
أمَ انَّ القومَ في الأحلام غَرقى
حَلا النّومُ العميقُ لهم وطابا؟
نعيمُ العيشِ أَغْواهم فراحوا
إلى الدّنيا يحثّون الرِّكابا
هُما أمرانِ إمّا أنْ تَوخَّوا
سبيلَ الدينِ تغتنموا الثوابا
وإمَّا أن تَنَحَّوا عنه حُبّأ
بدنياكمْ فترتقبوا العِقابا