ذَبَلَتْ مَباسِمُ الفَتَى المَغْمُورِ
وَضَجَّدّتِ القُلُوبُ مِنْ تَحْتِ الصُّدُورِ
ما لِي حَظٌّ جَمِيلٌ أَجُودُ بِهِ
بَيْنَ الرِّجَالِ بِشَمَاخَةٍ وَفُخُورِ
وَفاكِهَةٌ عُلَّقَتْ بِقُطُوفِهَا وَعَلَيْهَا
دانٍ، وَأَرائِكٌ، وَحُور مَقْصُورِ
ما حَلَا لِي ذِكْرُهُ بِتَوَسُّدٍ
عَلَى شَجْوِ النَّوَى مُنْشَطِرِ الجُذُورِ
قَدْ هَوِيتُهُ وَسَلْطَنْتُهُ عَرْشَ الهَوَى
وَأَلْبَسْتُهُ حُلَلَ الهَوَى بِحَرِيرِ
فَما غَدٌ آتٍ وَماضٍ بِذِكْرِهِ
إِلَّا وَبِالقَلْبِ حُرْقَةٌ تَدْعُو لِلْهَجِيرِ
فَلا تَعْذُلِ الرِّحالَ بِظَرْفِ عُذْرٍ
وَأَبْقِ بِبالِكَ بَسْمَةَ التَّصْوِيرِي
وَخُذْ عَلَى يَدِ الزَّمانِ بِرِفْقٍ
كَرَمَ النَّدَى وَتَرَنُّمَ العُصْفُورِ
تَراهُ وَقَدْ جَدَّ الصُّرُومُ بِهِ
وَجَزَّ بِنابَيْهِ فَرْحَةً وَسُرُورِ
مَنْفِيَّ البِلادِ مَجْرُورًا بِعُنُقِهِ
إِلَى حَتْفِهِ لَيْسَ يُقنيْهِ النَصِيرِ
عَدُوِّي الدَّهْرُ، كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ
حَتَّى قَرِيرُ العَيْنِ لَيْسَ قَرِيرِ
يُعادِينَا لِأَنَّا غَيْرُ خُلَّصٍ فِيهِ
وَيُبْغِضُنَا لِشَرٍّ يَخْفَى بِالضَّمِيرِ
فَإِنَّا رَفَعْنَا النَّفْسَ عَنِ الهَوَى
وَدَنَّيْنَاهَا مِنْ نَفَسِ الضَّرِيرِ
بَخْتٌ تَرَاءَى فِي نُفُوسٍ بِغُرُ
يَزْدَادُ دُخَانُ البَخْتِ الدَّبُورِي
مِنْ حَيْثُ ما نَصَبْتُ رَحْلِي
وَأَصْلَيْتُ وَجْهِي لِلْهَجِيرِ
أَجِدُ الضَّغَائِنَ ضِدَّ الأَمَانِي
يَجُرُّنَ اليَأْسَ بِوَجْهٍ حَقِيرِ
فَما أَضْحَيْتُ يَوْمًا أُنَادِي:
يَا رَبِّ أَصْلِحْ لِي أُمُورِي
فَبَعْدَ اخْتِبَارٍ إِلَّا أَنِّي أُقَابِلُ
عُذَّالًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ تَغُورِ
أَيَا كَنُودُ، يَا ابْنَ الغَمُوسِ،
مَهْلًا، فَلَسْتَ إِلَّا فَتْرٌ فَتِيرِ
أَكَانَ لَكَ فِينَا مَكَانُ احْتِرَامٍ
أَوْ كَانَ لَكَ قَدْرُ المُدِيرِ؟
لَقَدْ ضَاقَتْ بِنَا الدُّنْيَا بِمَا رَحُبَتْ،
وَضَاقَ بِنَا الدَّهْرُ العَسِيرُ
وَالإِعْرَاضُ عَنْ أَوْلَادِ السَّرَارِي
لَيْسَ، يَا رَبِّ، بِالأَمْرِ اليَسِيرِ
تَرَانِي وَقَدْ جَدَّ الصُّرُومُ بِنَابَيْهِ،
بِخَيْرٍ أَصْدُ كُلَّ مَعْتُوهٍ حَقِيرِ
وَأَهْجُو ذَا الزَّمَانِ وَأَهْلَهُ،
لِأَنَّ عَلَيْهِ فُتُورًا فِي فُتُورِ
فَأَتْرُكُ فِيهِ كُلَّ غَيٍّ نَازِلٍ،
وَأُعْقِبُ الغِلَّ طَعْنًا فِي النُّحُورِ
أَلَا فَمحْصِ مَا لَدَيْكَ وَلَا تُفَرِّقْ،
وَاجْمَعْ مَا يُفِيدُ لِيَوْمِ النُّشُورِ
خَطْبُ المَنِيَّةِ فِي دَرْبٍ غَفْلًا،
أُغْلِقَ دُونَهُ القمر المنيرِ
فَاحْمِلْ حَيَاتَكَ فِيمَا يُنْجِهَا
مِنْ مَصْرَعٍ لَا بُدَّ مِنْهُ خَطِيرِ
وَعِشْ مِثْلَ الصُّقُورِ مُتَقَنِّصًا
لِكُلِّ مُخْتَالٍ بِالوَفَاءِ غَدُورِ
يَفْنَى العُمْرُ الطَّوِيلُ بِلَحْظِ أَمَدٍ،
وَيَبْقَى المَوْتُ مِثْلَ العَبِيرِ
يَرْقُبُ مِنْ قَرِيبٍ لَا يُسَارِعُ،
فَيَنْخَسُ مَا تَبَقَّى مِثْلَ النُّسُورِ