أَعَرَفْتَ مِنْ سَلْمَى رُسُومَ دِيارِ
بِالشَّطِّ بَيْنَ مُخَفِّقٍ وَصُحارِ
وَكَأَنَّما أَثَرُ النِّعاجِ بِجَوِّها
بِمَدافِعِ الرُّكْنَيْنِ وَدْعُ جَوارِي
وَسَأَلْتُها عَنْ أَهْلِها فَوَجَدْتُها
عَمْياءَ جافِيَةً عَنِ الْأَخْبارِ
وَكَأَنَّ عَيْني غَرْبُ أَدْهَمَ داجِنٍ
مُتَعَوِّدِ الْإِقْبالِ وَالْإِدْبارِ
تَئِقٌ يُقَسِّمُ زارِعٌ أَنْهارَهُ
بِالْمَرِّ يَقْسِمُهُنَّ بَيْنَ دِبارِ
حَتَّى إِذا مالَ النَّهارُ وَأَنْزَفَتْ
عَيْنِي الدُّمُوعُ وَقُلْتُ: أَيُّ مَزارِ
قَرَّبْتُ حادِرَةَ الْمَناكِبِ حُرَّةً
خُلِقَتْ مَطِيَّةَ رِحْلَةٍ وَسِفارِ
أُجُداً مُداخَلَةً كَأَنَّ فُرُوجَها
بُلْقُ الْموارِدَ مِنْ خِلالِ عِفارِ
وَيَلِي بَياضَ الْأَرْضِ مِنْ أَخْفافِها
سُمْرُ الطِّباقِ غَلِيظَةُ الْأَصْبارِ
وَكَأَنَّما رَفَعَتْ يَدَيْ نَوَّاحَةً
شَمْطاءَ قامَتْ غَيْرَ ذاتِ خِمارِ
وَكَأَنَّها لَمَّا غَدَتْ سَرَوِيَّةٌ
مَسْعُودَةٌ بِاللَّحْمِ أُمُّ جَوارِ
وَكَأَنَّما عَلِقَتْ وَلِيَّةَ كُورِها
وَقُتُودُها بِمُصَدَّرٍ عَيَّارِ
غَرِدٍ تَرَبَّعَ فِي رَبِيعٍ ذِي نَدىً
بَيْنَ الصُّلَيْبِ فَصُوَّةِ الْأَحْفارِ
فَرَعى بِصُوَّتِهِ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ
وَهَراقَ ماءَ الْبَقْلِ فِي الْأَسْآرِ
حَتَّى إِذا أَخَذَ الْمَراغُ نَسِيلَهُ
مِنْ مُدْمَجٍ مِنْ خَلْقِهِ وَشَوارِ
وَرَمَى أَنابِيشَ الشَّفا أَرْساغُهُ
مِنْ كُلِّ ظاهِرَةٍ وَكُلِّ قَرارِ
وَتَجَنَّبَ الْقُرْبانَ وَاخْتارَ الصُّوَى
يَعْدُو بِهِنَّ كَفارِسِ الْمِضْمارِ
ذَكَرَ الْعُيُونَ وَعارَضَتْهُ سَمْحَجٌ
حَمَلَتْ لَهُ شَهْرَيْنِ بَعْدَ نِزارِ
يَرْضَى بِصُحْبَتِها إِذا بَرَزَتْ لَهُ
وَأَشَذَّ عَنْها إِلْفَ كُلِّ حِمارِ
فَأَقالَها بِقَرارَةٍ فِيها السَّفا
ظَمْأَى وَطَلَّ كَأَنَّهُ بِإِسارِ
وَتَفَقَّدا ماءَ الْقِلاتِ فَلَمْ يَجِدْ
إِلَّا بَقِيَّةَ آجِنٍ أَصْفارِ
فَأَدارَها أُصُلاً وَكَلَّفَ نَفْسَهُ
تَقْرِيبَ صادِقَةِ النَّجاءِ نَوارِ
يَغْشَى كَرِيهَتَها عَلَى ما قَدْ يَرَى
فِي نَفْسِها مِنْ بُغْضَةٍ وَفِرارِ
تَرْمِي ذِراعَيْهِ وَبَلْدةَ نَحْرِهِ
بِحَصىً يَطِيرُ فَضاضُهُ وَغُبارِ
وَتَفُوتُهُ نَشْزاً فَيَلْحَقُ مُعْجِلاً
رَبَذَ الْيَدَيْنِ كَفائِضِ الْأَيْسارِ
يَعْلُو فُرُوعَ قَطاتِها مِنْ أُنْسِهِ
بِمُلاحِكٍ كَرِحالَةِ النَّجَّارِ
فَتَذَكَّرا عَيْناً يَطِيرُ بَعُوضُها
زَرْقاءَ خالِيَةً مِنَ الْحُضَّارِ
طَرَقا مِنَ الْمَغْدَى طَرِيقاً صافِياً
فِيهِ الضَّفادِعُ شائِعُ الْأَنْهارِ
وَالْأَزْرَقُ الْعِجْلِيُّ فِي نامُوسِهِ
بارِي الْقِداحِ وَصانِعُ الْأَوْتارِ
مِنْ عَيْشِهِ الْقُتُراتُ أَحْسَنَ صُنْعَها
بِحَصا يَدِ الْقَصْباءِ وَالْجَيَّارِ
فَدَنَتْ لَهُ حَتَّى إِذا ما أَمْكَنَتْ
أَرْساغُهُ مِنْ مُعْظَمِ التَّيَّارِ
وَأَحَسَّ حِسَّهُما فَيَسَّرَ قَبْضَةً
صَفْراءَ راشَ نَضِيَّها بِظُهارِ
فَرَمَى فَأَخْطَأَها وَلَهَّفَ أُمَّهُ
وَلِكُلِّ ما وُقِيَ الْمَنِيَّةَ صارِي
فَتَوَلَّيا يَتَنازَعانِ بِساطِعٍ
مُتَقَطِّعٍ كَمُلاءَةِ الْأَنْبارِ
يَتَعاوَرانِ الشَّوْطَ حَتَّى أَصْبَحا
بِالْجَزعِ بَيْنَ مُثَقِّبٍ وَمَطارِ
فَبِتِلْكَ أَقْضِي الْهَمَّ إِذْ وَهَمَتْ بِهِ
نَفْسِي وَلَسْتُ بِنَأْنَأٍ عُوَّارِ
وَقَبِيلَةٍ جُنُبٍ إِذا لاقَيْتُهُمْ
نَظَرُوا إِلَيَّ بِأَوْجُهٍ أَنْكارِ
حَيَّيْتُ بَعْضَهُمُ لِأُرْجِعَ وُدَّهُمْ
بِخَلائِقٍ مَعْرُوفَةٍ وَجِوارِ
وَالْجارُ أُومِنُ سَرْحَهُ وَمَحَلَّهُ
حَتَّى يَبِينَ لِنِيَّةِ الْمُخْتارِ
فَلَئِنْ رَأَيْتُ الشَّيْبَ خَوَّصَ لِمَّتِي
مِنْ طُولِ لَيْلٍ كائِبٍ وَنَهارِ
إِنِّي لَتَرْزَؤُنِي النَّوائِبُ فِي الْغِنَى
وَأَعِفُّ عِنْدَ مَشَحَّةِ الْإِقْتارِ
فَجَزَى الْإِلَهُ سَراةَ قَوْمِي نُصْرَةً
وَسَقاهُمُ بِمَشارِبِ الْأَبْرارِ
قَوْمٌ إِذا خافُوا عِثارَ أَخِيهِمُ
لا يُسْلِمُونَ أَخاهُمُ لِعِثارِ
أَمْثالُ عَلْقَمَةَ بْنِ هَوْذَةَ إِذْ سَعَى
يَخْشَى عَلَيَّ مَتالِفَ الْأَمْصارِ
أَثْنَوْا عَلَيَّ فَأَحْسَنُوا فَتَرافَدُوا
لِي بِالْمَخاضِ الْبُزْلِ وَالْأَبْكارِ
وَالشَّوْلُ يَتْبَعُها بَناتُ لَبُونِها
شُرُقاً حَناجِرُها مِنَ الْجَرْجارِ
حَتَّى تَأَوَّى حَوْلَ بَيْتِي هَجْمَةٌ
أَبْكارُها كَنَواعِمِ الْجَبَّارِ
وَكَأَنَّ خِلْفَتَها عَطِيفَةُ شَوْحَطٍ
عُطُلٌ بَراها مِنْ خُزاعَةَ بارِي
وَبَغى بِها ماءَ النِّطافِ فَلَمْ يَجِدْ
ماءً بِتَنْهِيَةٍ وَلا بِغِمارِ