ألا هل درَى مَنْ بالدَّرادِرِ أنني
حفظتُ لهم في الغيب وُدَّ حميمِ؟
وأنزلتُهُم مني مكانًا بمثله
يحلُّ ذوو الإقتار كلَّ كريم
مررتُ على تلك الديار وصُحبتي
عبيدُ بنِ إدريسٍ أذلِّ زنيم
ولما تجاوزنا القطينةَ أُطلقتْ
علينا أُصَيْلانًا رياحُ سَموم
وأعقبها الإعصارُ يتلوهُ مثلُه
كأنْ عمَّتِ الآفاقَ نارُ سموم
وقد أفسد الجوَّ الغبارُ وأرعدت
سحائبُ وانهلَّت بفيضِ رَحيم
وصرنا يكاد المرءُ يفقد نفسَه
لشدةِ تعذيبٍ هناك أليم
سوى أن إبراهيم بُوركَ من فتًى
سعى في ظلام الليل سعيَ حكيم
وقال اتْبَعوني إنني سأدلُّكم
فإني أرى بالقرب دارَ مُقيم
لدى حيزبونٍ في الدّرادرِ سُمِّيتْ
بعائشةٍ عاشَت بظلِّ نعيم
أنارت لنا واستخرجت من خِبائها
طعامًا وأبدَتْ جهْدَ كلِّ كريم
ولما اصطلينا أوقدتْ نارَ قهوةٍ
وشايٍ وأبدتْ عذرَ كلِّ عديم
كفى حَزَنًا أن الجواد مُقَتَّرٌ
عليه ولا معروفَ عندَ لئيم
ولما خرجنا بعد هجعةِ ساعةٍ
وقد فاتنا بالليل كلُّ نديم
تَخِذنا عبيدًا هاديًا فمشى بنا
على لاحبٍ نحو الجنوب قديم
وضلَّ عن القرصتَين بركْبِهِ
وفي الركب إدريسٌ وأمُّ زنيم
إذا أومضت نارًا أشار لأمِّه
لقد أوقدتْ في الحيّ نارَ كريم
فقالت له الشمطاءُ ويحَك إنها
تصاويرُ شيطانٍ هناك رجيم
فيا لك من بردٍ هناك ووحشةٍ
ويا لك من ليلٍ سهرتُ بَهيم
ولما دنا الإصباحُ بانت لناظرٍ
منازلُ حيٍّ بالعراء مُقيم
منازلُ لا تلقى بها غيرَ ماجدٍ
بكلِّ فعال المَكْرُمات عليم
بقرّاصةٍ لم يعرفِ الناس مثلها
بكلِّ القرى من حادثٍ وقديم
فقد أعجبَتْني منهمُ أريحيَّةٌ
وهِزَّةُ مِقدامٍ وفعلُ حليم
وإني لأبكي إنْ ذكرتُ زمانَهم
بكاءَ صغيرٍ في الديار فطيم
سلامي عليهم واحدًا بعد واحدٍ
سلامُ محبِّ للثناء مُديم
سقى الله إبراهيمُ دارَكَ دائمًا
بغيثٍ يروِّي الدائرات عميم